النوع من البيان للأحكام، وهوالبيان الإجمالي، وهو الغالب في القرآن. والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومباديء عامة: هي أن مجيئها على هذا النحو يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث، فلا تضيق بشيء أبدًا.
النوع الثاني: الأحكام التفصيلية - وهي قليلة في القرآن، ومنها: مقادير المواريث، ومقادير العقوبات في الحدود، وكيفية الطلاق وعدده، وكيفية اللعان بين الزوجين
وبيان المحرمات من النساء ونحوذلك.
150 -أسلوب القرآن في بيان الأحكام:
للقرآن أساليب مختلفة في بيان الأحكام، اقتضتها بلاغته وكونه معجزًا، وكتاب هداية وإرشاد، فهو يعرض الأحكام عرضًا فيه تشويق للامتثال وتنفير عن المخالفة والعناد. ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص على وجوبه بصيغة الأمر (( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ) ) [الطلاق:2] ،أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) [البقرة:183] (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) ) [البقرة:178] وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي ) ) [النساء:13] .
والمحرم قد يكون ييانه بصيغة النهي مثل قوله تعالى: (( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) ) [الأنعام:151] وقوله تعالى: (( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ) [البقرة:195] ، وقد يكون بالتوعد على الفعل أو يترتب العقوبة عليه، مثل قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) ) [النساء:10] وقوله تعالى: (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ) ) [النساء:14] .
وعلى هذا فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب في القرآن، وكيفية بيانه للأحكام وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة. ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب ما يأتي:
1 -يكون حكم الفعل: الوجوب أو الندب، إذا جاء بالصيغة الدالة عل الوجوب أو الندب، أو إذا ذكر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أوثناء له أو لفاعله، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله.
2 -ويكون حكم الفعل: الحرمة أو الكراهة، إذا جاء ذكره بصيغة تدل عل طلب الشارع لتركه والابتعاد عنه، أو إذا ذكر على وجه الذم له ولفاعله، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته، أو دخول النار، أو لعن فاعله، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان، أو وصف فاعله بالبهيمة أو بالشيطان، ونحوذلك.
3 -ويكون حكم الفعل: الإباحة، إذا جاء بلفظ يدل على ذلك: كالإحلال والإذن، ونفي الحرج، أو نفي الجناح، أو الانكار على من حرم الشيء، ونحو ذلك.
151 -دلالة القرآن على الأحكام:
قدمنا أن القرآن قطعي الورود، أي ثابت قطعًا لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول. فأحكامه إذن قطعية الثبوت، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية.