من هذا القول وإن لم يصرح الشيخ بعدم موافقته للمذهب فإن موقفه ورأيه واضح يتجلى في قوله
(ولا يخفى ما في هذا من الصعوبة سيما في زكاة الفطر) وهو حسب ظاهر كلامه يميل إلى رأي غيره من المذاهب الأخرى. ودليله فيه التيسير للعباد, أما الأدلة المذكورة فكلها لاتفيد اليقين فلابد من الرجوع الى القواعد المتفق عليها بين العلماء وهي أن الحرج مرفوع من هذا الدين. قال تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج.} [1]
وبين الإمام محمد رشيد رضا في المنار سبب الخلاف في المسألة، وقال: (وسبب اختلافهم معارضة اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذ كان المقصود بها سد الخلة، فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس - أعني أهل الصدقات - لا تشريكهم في الصدقة. فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى.) [2]
هذه المسألة مثال أخر من أمثلة تدل على سمو علم الشيخ وسعة تفكيره في المسائل الخلافية وبالتالي وهي تدل على سمة من سمات فقهه المائلة إلى التيسير ومراعاة المصالح في الدين كما صرح
بقوله: ولا يخفى ما في هذا (اي في وجوب التعميم) من الصعوبة سيما في زكاة الفطر.
مااختاره الشيخ هنا متفقة مع ما قاله ابن عجيل اليمني [3] (ثلاث مسائل في الزكاة يفتى فيها على خلاف المذهب، نقل الزكاة ودفع زكاة واحد لواحد ودفعها إلى
(1) الحج اية 78
(2) تفسير المنار لمحمد رشيد رضا 10/ 440 - 441
(3) أبي العباس أحمد بن موسى بن علي بن عجيل ونسبه ولد سنة 625 هجرية. ومات 690
وكان الفقيه العلامة بن عجيل يوصف بالزاهد الخاشع المتواضع فقد عرف بالتواضع والزهد والعزوف عن الدنيا ومباهجها كان يقوم بزراعة الأرض ليأكل من عمل يده ويحث تلاميذه على ضرورة العمل والكسب الحلال والأكل من عرق الجبين، لم يعرف عنه انه ذهب إلى الحكام أو تقرب إليهم، ومن مؤلفاته: كتاب جمع فيه أسماء مشايخه وأسانيدهم في كل علم و حاشية على كتاب: (التنبيه) في مذهب الإمام الشافعي وحاشية على كتاب: (المهذب) لـ (الشيرازي) . والغارة: قصيدة يناجي فيها ربه، ويطلب غارة الله. و مخطوطة بعنوان «الصلوات الخمس» انظر: العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية 218»