122 -سأَلَني سائلٌ عن قولِ رسولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ما أظلّتِ الخضراءُ وَلَا أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ أصْدَقَ لَهْجَةً من أَبِي ذَرٍّ" [1] وقال: هل يَجوز أن يكون أَصْدَقَ من الأنبياءِ ومِنْ أَبِي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ؟ .
• والذي عندي أنّ هذا الكلامَ لا يُوجِبُ ما ذهبتَ إليه من تقديمِهِ في الصِّدْقِ على الأنبياء، وعلى أَبِي بكرٍ وعثمانَ وعليٍّ وأشباهِهِمْ؛ لأنّه قَالَ: لم تُقِلَّ الغبراءُ أَصْدَقَ منه فهو ثناء في هذه الفضيلةِ. وأبو بكرٍ وعمرُ وأمثالُهُ مِثْلُهُ، وفي دَرَجَتِهِ وهو مِثْلُ قولِكَ: ليس في العالم أشجعُ من فلانٍ، وفيه من الشجعانِ من هو في درجتِه، وإنَّما كان يجب ما ذهبت إليه لو قَالَ: أَبُو ذر أصْدَقُ من أَظَلَّتِ الخضراءُ أو أَقَلَّتِ الغبراءُ. وأمّا قولُهُ: ما على الأرض أصدقُ منه فإنّه نفى أن يكونَ على الأرضِ مِثْلُهُ فَوْقَهُ في الصّدْق، ولم ينفِ أن يكونَ عليها مِثْلُهُ، فتدبَّرْ هذا، وتَفَهَّمْهُ.
(1) رواه الترمذي رقم 3803 و 3804 في المناقب، باب مناقب أَبِي ذر الغفاري"رضي"، ورواه أيضًا الترمذي رقم 3793 و 3794 في المناقب، باب مناقب أهل بيت النَّبِيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وباب مناقب معاذ وزيد وأُبي بن كعب وَأَبِي عبيدة، وقال الترمذي: هذا حَدِيث حسن صحيح، وهو كما قَالَ.
وفي اللسان (غبر) :"والغبراء الأرض في قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أظلت الخضراء وَلَا أقلّت الغبراء ذا لهجة أصدق من أَبِي ذرّ. قَالَ ابن الأثير: الخضراء السماء والغبراء الأرض أراد أَنَّهُ متناهٍ في الصدق إِلَى الغاية فجاء به على اتساع الكلام والمجاز".