لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. ولذا، تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم. بل نقول: إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي في «الإحياء» : «من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجِمَال والطيور وجميع البهائم، إذ الْجَمَل - مع بلادة طبعه - يتأثر بالحداء تأثر يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر - لقوة نشاطه في سماعه - المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فترى الإبل إذا سمعت الحادي، تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها» .
وإذ كان حب الغناء غريزة وفطرة، فهل جاء الدين لمحاربة الغرائز والفطر والتنكيل بها؟ كلا، إنما جاء لتهذيبها والسمو بها، وتوجيهها التوجيه القويم. قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله: إن الأنبياء قد بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بتبديلها وتغييرها.