ولا ريب أن هناك من الحكماء والأدباء والشعراء مَن ذم المزاح، وحذّر من سوء عاقبته، ونظر إلى جانب الخطر والضرر فيه، وأغفل الجوانب الأخرى.
ولكن ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أحق أن يتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال.
وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واتهم نفسه بالنفاق: «يا حنظلة؛ لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» . . وهذه هي الفطرة، وهذا هو العدل.
روي ابن أبي شيبة عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن قال: لم يكن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متحزقين ولا متماوتين. كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حماليق عينيه كأنه مجنون (1) .
(1) المصنف لا بن أبي شيبة: 8/ 711 بلفظ: «منحرفين» بدل «متحزقين» والتصويب من غريب الحديث للخطابي: 3/ 49.