وكذلك ما قاله أحمد الهاشمي:"واعلم أن الإنشاء غير الطلبي لا تبحث فيه علماء البلاغة لأن اكثر صيغه في الأصل أخبار نقلت إلى الإنشاء، وإنما المبحوث عنه في علم المعاني هو (الإنشاء الطلبي) لما يمتاز به من لطائف بلاغية" [1] ، ومثل هذا القول يقول به الأستاذ احمد مصطفى المراغي: ..."والذي يهتم البليغ بالبحث عنه هو القسم الأول (الإنشاء الطلبي) لأن فيه من المزايا واللطائف ما ليس في القسم الثاني (الإنشاء غير الطلبي) ولأن كثيرًا من الإنشاءات غير الطلبية أخبار في الأصل نقلت إلى الإنشاء" [2] .
فنرى الانصراف عند البلاغيين عن الإنشاء غير الطلبي وذلك لسببين، وهم يعتقدون بهما، وهما [3] :
1 ـ قلّة الأغراض البلاغية المتعلقة به.
2 ـ ولأن أكثر صيغه هي أخبار نقلت إلى إنشاء.
فأقول أما السبب الأول بأن عدم اهتمامهم بهذا النوع من الإنشاء لقلّة الأغراض البلاغية، ولعدم وجود مزايا ولطائف بلاغية ففيه ميل عن الحق وبعد عن العدل، لأنه متى كانت القلّة والكثرة معيارًا حقيقيًا تعرف الأشياء بها، فلو كانت القلّة ميزانًا للحق لكانت ملة الكفر هم على الحق والمؤمنون على الباطل، قال تعالى: {ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ - وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخِرِينَ} [4] ، وإن كانت الكثرة معيارًا كما يقول بعض البلاغيين للفصل بين الأشياء والأخذ بهذا الفن دون آخر لكان هناك فنون غير الإنشاء الطلبي أهملت ولم تدخل البلاغة العربية وفنونها، هذا إن كان ما يقولونه بقلّة هذا النوع ومباحثه.
أما الحقيقة فليس الإنشاء غير الطلبي بقليل، بل حاله حال كثير من فنون البلاغة وإن شئت فاطلع على أنواعه وأقسامه لترى بأن ما نقوله هو الأقرب إلى الصواب وأرجح من أن يترك هذا الجانب المهم من علم المعاني الذي فيه أنواع من المعاني والمدلولات التي تدعم لغتنا وتعضد بلاغتها وفنونها.
وأما السبب الثاني بأن اكثر أنواعه أخبار نقلت إلى إنشاء فيكفي من البلاغة نقلها إلى الإنشاء، لأنها بمجرد النقل عمل بلاغي يدعو إلى الدراسة وبيان مقاصدها وأعاجيب مراميها.
(1) جواهر البلاغة / 76.
(2) علوم البلاغة / 60.
(3) ينظر: م. ن / 60 وجواهر البلاغة / 76.
(4) سورة الواقعة، الآية: 13 و 14.