فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 222

مظهر {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [1] .

فعلم المؤمنون أن ثواب الله خير من هذا المتاع الزائل فلم يغتروا بحسن مظهره ولا بجمال منظره. ولذلك نبه الطفل الرضيع إلى حقيقة هذه المرأة التي يتهمونها بالزنا والسرقة فهي على النقيض من ذلك، وعندما انعدمت وسائل الدفاع عن نفسها وانقطعت سبل الخلاص منهم فلم يبق لها من سند إلاّ الذي قهر العباد بجبروته وذل الرقاب بكبريائه فاستنجدت به بقولها: (حسبي الله ونعم الوكيل) فهو حاسبها كافيها من كل كيد وهو الذي يدفع عنها كل سوء، كما دعا إبراهيم ربه وقال هذه الكلمة عندما القي في النار فحولها الى برد وسلام وقالها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عندما قيل {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [2] .

واكتفت هذه المرأة بهذا الذكر عن تبرئتها لنفسها ونفي ما رموها به من الزنا والسرقة فان من اعتمد على مولاه كفاه ما أهمه من أمر دنياه وأخراه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [3] .

عناصر الأسلوب في المدح والذم:

يتكون أسلوب المدح والذم من عناصر ثلاثة، وهي [4] :

1 ـ فعل المدح أو الذم.

2 ـ الفاعل.

3 ـ المخصوص بالمدح أو الذم.

ولذلك فإن فعل المدح أو الذم يختلف عن بقية الأفعال لأنه لايكتفي بالفاعل، وإنما لابد من مخصوص بالمدح أو الذم.

1 ـ الفعل:

يكون فعل المدح والذم فعلًا ماضيًا لازمًا جامدًا. وان كان الفعل هنا يعرب ماضيًا إلا أنه مجرد من دلالته الزمنية أي لا يرتبط بزمن ماض أو مضارع أو أمر فتكون جملة إنشائية غير طلبية منه ومن فاعله يقصد منها إنشاء المدح أو الذم [5] فينتقل الفعل إلى الإنشاء المحض غير الطلبي.

ينقسم فعل المدح والذم إلى قسمين وهما:

1 -الفعل الذي يفيد المدح العام والذم العام.

2 -الفعل الذي يفيد المدح الخاص والذم الخاص.

1 ـ الفعل الذي يفيد المدح العام أو الذم العام: أما الأفعال التي تفيد المدح العام أو الذم العام هما فعلان أحدهما يفيد المدح العام وهو نعم والآخر يفيد الذم العام وهو بئس.

فالفعل نعم: فعل ماض جامد كما قال أبن منظور في لسان العرب:"نعم وبئس فعلان ماضيان لا يتصرفان تصرف سائر الأفعال لأنهما استعملا للحال بمعنى الماضي، فنعم مدح وبئس ذم" [6] كقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) (( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ) ) [7] . هذا الحديث يرويه (سالم) بن عبد الله بن عمر (- رضي الله عنه -) عن أبيه والحديث مرسل صحابي لأنه يرويه عن أخته (حفصة) عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال لمّا عرضت عليه حفصة ما رآه ابن عمر في المنام [8] "فقد رأى عبد الله في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول أعوذ بالله من النار قال: أي (أبن عمر) فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " [9] ثم قال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لها: (( نعم الرجل عبد الله ) )معبرًا عن رؤياه. قال القرطبي إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو

(1) سورة القصص، الآية: 79، 80

(2) سورة آل عمران، الآية: 173.

(3) سورة الطلاق، الآية: 3.

(4) معاني النحو 4/ 670.

(5) النحو الوافي 3/ 369.

(6) لسان العرب 3/ 677؛ وينظر: المقتصد في شرح الإيضاح، لعبد القاهر الجرجاني / 363.

(7) ر 1162/ 363.

(8) فتح الباري 3/ 5.

(9) م. ن 3/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت