فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 222

الناس بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر. )) [1] . يروي الحديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه فهو يحدث عن تخلفه في غزوة تبوك التي أنزل الله فيها توبته قال تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [2] .

عندما اشتد الأمر على كعب وثقل عليه الغم حتى ضاقت عليه نفسه من الهم والوحشة حيث اعتزله الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) والمسلمون من الكلام معه فأصبح قلبه لايسع سرورا ولا فرحا جاءه الفرج، وحيث ضاقت عليه الأرض بما رحبت جاءه المخرج. فقد كنى عن الحزن والهم بتضييق النفس له وعن الشدة والغم بتضييق الأرض أي أنه لايجد ملجأ يطمئن اليه في الأرض على الرغم من سعتها ورحبها. فقد ذم كعب الحال التي هو فيها ومن الهموم التى كادت أن تضيّق الخناق عليه من كل جوانبه حتى اصبحت نفسه لاتقبل فرحا ولاتستقبل مرحا، وأن سعة الأرض انقلبت الى ضيق وشدة، فاستعمل كعب لفظة (رُحبت) التي هي على وزن (فعًل) للذم مع دلالتها على السعة في أصلها اللغوي، كما انها تدل على التعجب، لأن الأرض برحبها تحولت الى أرض سجينة محاطة بجدران أربعة يعاني المسجونون فيها من حسرات الضيق ومعاناة العزلة ووساوس النفس.

عند ذاك سمع صوت صارخ وهو (أبو بكر) [3] ارتفع على جبل (سلع) وهو جبل بالمدينة المنورة يبشره بالتوبة عليه ورجوعه الى حضيرة المجتمع المسلم الذي لايقبل خوانا ولا كذابا فسجد لله شكرا على هذه النعمة بعدما أعلم رسول الله المسلمين بقبول توبتهم بعد صلاة الفجر.

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) في حديث يرويه أنس (- رضي الله عنه -) أنه قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار الى أهله، وبقي قوم فأتي رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بمِخضَب من حجارة، فصغر المخضب أن يبسُط فيه كفَّه، فتوضأ القوم كلهم. قالوا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة [4] .

يقول أنس أنه حضرت الصلاة أي (صلاة العصر) [5] فقام من كانت داره قريبة الى أهله ليتوضأ وبقي قوم مع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لبعد دورهم فجيء بمخضب و (المخضب) هو إناء من حجارة أو من خشب فيه ماء فصغًر المخضب: قل حجمه [6] أو سنّه، فلما أراد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن يجعل كفه فيه ما استطاع ذلك لصغر حجم الإناء فضم أصابعه وأخذ الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم كلهم، ولما سئلوا عن عددهم: قالوا ثمانين أو أكثر.

في هذا الحديث معجزة من معجزات رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الكثيرة، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة حديث متواتر [7] رواه كثير من الصحابة الكرام (- رضي الله عنهم -) استعمل أنس لفظة (صغُر) التي هي على وزن (فعُل) لذم حجم الإناء، وهي تعني في الوقت نفسه الدلالة اللغوية التي وضعت لها أصلا مع ما فيها من تعجب.

وأكد أنس (- رضي الله عنه -) قوله بـ (كلهم) لتوكيد الخبر. ويدل على هذا التوكيد عددهم أنهم كانوا ثمانين أو زيادة عن الثمانين، ونصب (ثمانين) لأنه خبر (كان) الذي دل عليه ما قبله. والمخضب: اسم آلة على وزن مِفعَل [8] .

ساء:

ومن الألفاظ التي تجري مجرى نعم وبئس هو الفعل (ساء) حيث أشار الى ذلك ابن مالك بقوله) [9]

واجعل كبئس (ساء) واجعل فعلًا ... من ذي ثلاثة كنِعم مُسجلًا

أي: أن (ساء) تستعمل معنى وحكما مثل (بئس) فكما أن (بئس) تفيد الذم كذلك (ساء) : ساء حطب النار أبو لهب فـ (ساء) فعل ماض جامد للذم و (حطب) فاعل للفعل (ساء) ومضاف و (النار) مضاف إليه و (أبو) مخصوص بالذم ومضاف و (لهب) مضاف اليه.

وقد جاءت في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [10] ، وكقوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [11] ، وكقوله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ

(1) ر 21/ 31.

(2) سورة التوبة، الآية: 118.

(3) دليل الفالحين 1/ 144.

(4) ر 774/ 272.

(5) فتح الباري 1/ 261.

(6) المعجم الوسيط 1/ 517.

(7) المعجزات المحمدية (- صلى الله عليه وسلم -) ، لوليد الأعظمي / 111.

(8) ينظر: معاني الأبنية في العربية / 125.

(9) شرح ابن عقيل 2/ 168، وينظر: النحو القرآني قواعد وشواهد. د. جميل أحمد ظفر / 570.

(10) سورة الإسراء، الآية: 32.

(11) سورة الشعراء، الآية: 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت