الاثبات"والله لأذهبن إليه"ونقول في النفي"والله لا أذهب إليه"، فالثانية نفي للأولى فلماذا يجعلونها في المثبت قسما دائما ولا يجعلونها في النفي كذلك؟ ألا ترى أن هذا تمحل؟ [1] .
جملة جواب القسم: تنقسم جملة جواب القسم الى قسمين وهما:
أـ جملة اسمية ... ب ـ جملة فعلية
أـ جملة جواب القسم الأسمية المثبتة:
فإذا كان جواب القسم جملة اسمية يجاب القسم في الاثبات باللام المفتوحة أو إنّ واللام أو إن وحدها مخففة ومشددة [2] ، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ) ) [3] .
يقسم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بالله الذي نفس محمد بيده بأن رائحة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك لزيادة التوكيد وترسيخ عقائد الإسلام في قلوب اتباعه، انه (- صلى الله عليه وسلم -) عندما يقسم بالذي نفس محمد بيده ليزيل كل أدران الشرك من يقين أصحابه، فالأنفس جميعا بيد الله وقدرته، لكنه خص نفس محمد بالذات حتى لا يعتقد فيه أحد أن له تأثيرا وان كان هو رسول من عند الله تعالى، فهو يدعوهم إلى الوحدانية الخالصة والى العبودية الكاملة لله تعالى، فإذا كان فم الصائم تتغير رائحته نتيجة للصوم فان ريح فمه أطيب عند الله في الدنيا والآخرة من رائحة المسك. ويمكن أن يكون مجازا من تقريب الصوم منه تعالى، لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة لمن تحبه فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله تعالى، أي إنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه تعالى اكثر من تقرب المسك اليكم [4] ، وقيل أن الله يجزيه في الآخرة فتكون نكهته فيها أطيب من ريح المسك كما يأتي الجريح وريح جرحه يفوح مسكًا.
فجملة القسم والذي نفس محمد بيده واللام المفتوحة واقعة في جواب القسم وجملة الجواب جملة اسمية متكونة من المبتدأ والخبر، ويمكن أن يكون في الحديث كناية عن الثواب العظيم والمودة والقرب من الله بذكر كلمة ريح المسك إذا اعتبرنا إن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لا يقصد بها على حقيقتها.
جواب القسم جملة مقرونة بأن واللام: كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) (( يا معاذ، والله إني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ) ) [5] ، هذا الحديث يبين فيه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فضل معاذ وكمال استقامته واهتمامه بأمور دينه حيث حصل له هذا المقام الأسنى من المصطفى وذكره توطئة وبعثا له على امتثال أمره بعده فلما صحت محبة معاذ للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) جازاه بأعلى منها كما هو عادة الكرام ولا اكرم منه (- صلى الله عليه وسلم -) ، ولذا أكده بأن واللام [6] ، فجملة القسم والله والمقسم عليه (إني لأحبك) وهو جواب للقسم مؤكد بأن واللام. وجواب القسم جملة اسمية مقرونة بـ (أن والضمير الياء) في محل رفع اسم إنّ وجملة (لأحبك) جملة فعلية في محل رفع خبر إنّ.
وقد كرر (- صلى الله عليه وسلم -) اسم معاذ زيادة في الانتباه وللفت نظره إلى ما يوضحه له الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) . وفي الحديث حث على قراءة هذا الدعاء بعد كل صلاة فرض، بأن يطلب من الله العون على دوام ذكره للقرآن وسائر الأذكار وشكر نعمته الظاهرة والباطنة والدينية والدنيوية التي لا يستطيع أحد احصاءها {وَإِنْ تَعدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [7] وأن يقوم بحسن عبادة الله بشروطها وأركانها وسننها من خضوع وخشوع واخلاص [8] .
وفي الحديث دليل على أن من يحب شخصا أن يعلمه بذلك كما في أحاديث أخرى للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وان من يحبه عليه أن يبذل أقصى ما عنده من نصحه وارشاده ومعونته.
جواب القسم جملة اسمية مقرونة بأن وحدها:
كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( فقال رجل والله، ان هذه قسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله فقلت: والله لأخبرن رسول الله(- صلى الله عليه وسلم - ) )) [9] في غزوة حنين وهو واد بين مكة والطائف وراء عرفات بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا حدثت معركة بين المسلمين وبين
(1) م. ن /560.
(2) همع الهوامع، للسيوطي 2/ 41؛ معاني النحو 4/ 552.
(3) ر1215/ 274.
(4) دليل الفالحين 7/ 26.
(5) ر 384/ 157.
(6) ينظر: دليل الفالحين 3/ 340.
(7) سورة ابراهيم، الآية: 34.
(8) دليل الفالحين 3/ 341.
(9) ر 42/ 40.