أخلاقه وصفاته وورعه:
كان زاهدًا ورعًا تقيًا، فلم يأكل في اليوم إلاّ مرة واحدة بعد العشاء الآخرة، ولم يتزوج، ولم يلبس فاخر الثياب، ووجد في لذة العلم والإيمان ما يسد ذلك عن كل شهوة ولذّة، ومع قوة شبابه وريعانه في دمشق بلد الترف آنذاك أعرض عن جميع المتع والشهوات.
ومن ورعه أنه كان لا يأكل من فواكه دمشق، ولما سئل عن ذلك، قال:"إنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن تحت الحجر شرعًا، ولا يجوز التصرف في ذلك إلاّ على وجه الغبطة"
والمصلحة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها اختلاف بين العلماء ..." [1] . وكذلك لا يأخذ من دار الحديث راتبًا، بل كان يجمعه عند ناظر المدرسة، ويشتري به ملكًا ووقفه على دار الحديث."
وكان لايقبل هدية ولا عطية، إلاّ إذا اضطر إليها، وكان من نتائج زهده وورعه وتقواه، أن جعل الله له كرامات في الحياة منها (رأى ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهو نائم مع والده وهو ابن سبع سنين فانتبه نحو نصف الليل، وقال يا أبت ما هذا الضوء الذي ملأ الدار؟ ومنها أن أصبعه أضاءت له لما فقد وقت التصنيف ما يسرجه عليه [2] .
كتاب مختصر، جمع فيه الإمام النووي طائفة كبيرة من الأحاديث النبوية من كتب الصحاح وصدر موضوعاتها بآيات من الذكر الحكيم بما تناسب كل موضوع، وهو من أفضل الكتب الجامعة للترغيب والترهيب وسائر آداب السالكين، وقد زانه بوشاح جميل حين التزم فيه ذكر الأحاديث الصحاح الواضحات من أمّات كتب الحديث المشهورات، فكان عدّة للواعظين وعبرة للمتعظين ومصابيح للمهتدين، فهو رياض للصالحين. فإذا كانت النفوس تتنزه في المتنزهات والبساتين لتشمّ الروائح الزكية والعطور الفوّاحة، وتقر عينها برؤية الزهور ومختلف الورود، وتأكل من أثمارها اللذيذة، وتروى من مياهها العذبة الباردة، فإن كتاب رياض الصالحين قد جمع بين متنزه الأجساد والأرواح لأن الالتزام بما فيه سينال بإذن الله رضوانه وتقواه، وبتقوى الله تعالى تيسر له الحياة وتذلل له الصعوبات، وتفتح له
(1) ينظر: نزهة المتقين / 13.
(2) دليل الفالحين 1 / ج.