قبيلة هوازن وثقيف فانتصر المسلمون فيها فأصابوا منهم غنائم كثيرة فقسمها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على ناس من رؤساء العرب والطلقاء يتألفهم [1] ، فإذا رجل ممن لم ينظر بنور الإسلام إلى الأمور، وقد حجب على بصيرته ليرى حقيقة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الذي لم يخلق مثله من بعد ولا من قبل، والا فمن يعدل إن لم يعدل هو؟ وقد وصل إلى قمة العدالة، فلم يعدل أحد من أبناء البشر مثله ولا بعده كعدله (- صلى الله عليه وسلم -) .
يقسم هذا الرجل بأن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ما عدل في قسمته هذه، هذا كلام يستوجب قتله، ولكن رسول الله عامله بالصفح والمغفرة حتى لا يقال أن محمدا يقتل أصحابه وحتى قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، ولأنه (- صلى الله عليه وسلم -) مأمور بأن يقتدي بهم {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} [2] .
جملة القسم هي: (والله) وجواب القسم: (ان هذه قسمة ما عدل فيها) وهو جملة اسمية من مبتدأ وخبر، وقد أكدت بأن إنّ الرجل لم يسند الفعل مباشرة الى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بل عدل عن الفاعل في (ما عدل) الى الفعل المبني للمجهول ليكون وطؤه أقل ممّا لو قال (ما عدل الرسول(- صلى الله عليه وسلم -) ، ولم يأت بالفعل المثبت وهو (ظلم أو جار) حتى يخفف من التأثير المباشر في رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) اما خوفا منه (- صلى الله عليه وسلم -) أو حياءًا.
ومما يستفاد من الحديث أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بحكمته آلف بين القلوب ووحد صفوف المسلمين وهو بشر تأثر بالخبر عندما علم بما قيل فيه.
يجاب القسم بـ (ما) أو (لا) أو (ان) ، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير إني سمعت رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) على المنبر: (( لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا ) ) [3] .
اقسمت أم المؤمنين أم حبيبة (رضي الله عنها) حين توفي أبوها أبو سفيان أنها ليس لها من حاجة بالطيب عندما مست عارضيها بشيء منه لأنها سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أنه لا يجيز إحداد المرأة اكثر من ثلاثة أيام، فلما انقضت الأيام الثلاثة من وفاة والدها مست عارضيها حتى لا تكون مشمولة بحديث رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) حول حرمة إحدادها بعد ثلاثة ايام، ويستنتج من الحديث جواز إحداد المرأة على غير الزوج لمدة ثلاثة أيام وما زاد على ذلك فمنهى عنه ووجوب احدادها على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها للتأكد من نظافة رحم المرأة ونفي التهمة وسوء الظن بالزوجة [4] .
والله: الواو حرف جر يفيد القسم ولفظ الجلالة مقسم به مجرور وحذف فعله وجوبا تقديره (أقسم) وجملة جواب القسم جملة اسمية مصدرة بـ (ما) المشبهة ب (ليس) واسمها (من حاجة) (من) حرف جر زائد يفيد التوكيد وحاجة اسم ما في محل رفع. و (لي) جار ومجرور في محل نصب خبر ما.
جواب القسم جملة فعلية: تنقسم جملة الجواب الفعلية الى قسمين وهما:
أـ فعل ماض ... ب ـ فعل مضارع
1 ـ أن يكون فعلها فعلا ماضيا متصرفا مثبتا، فالأفصح اقترانها بـ (اللام) و (قد) معا كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ) ) [5] .
يقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على عزمه للذهاب إلى بيوت الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة ليحرقها على رؤوسهم فاستدل بها جماعة من العلماء على وجوب صلاة الجماعة فرض عين
(1) ينظر: الرحيق المختوم / 505؛ وينظر: تاريخ الأمم الإسلامية، للخضري 1/ 131 ـ 132.
(2) سورة الأنعام، الآية: 90.
(3) ر 1774/ 517.
(4) نزهة المتقين 2/ 422.
(5) ر 1068/ 343.