منكم شيئا بغير حقه الا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر )) [1] .
لايجوز لأحد أن يستغل وظيفته لأخذ أموال الناس بالباطل عن طريق الرشاوى والهدايا والرشوة حرام إعطاؤها أو أخذها إلاّ لإسترداد حق مسلوب لا يحصل إلاّ بهذه الوسيلة [2] . ومع هذا فقد ارتكب أخف الضررين، ولهذا غضب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) غضبا شديدا على ابن اللتبية فقال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته ان كان صادقا؟ ) ) [3] فأقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بأن الذي يأخذ شيئا بغير حقه , بالهدية أو الرشوة) فان خفي أمره سيفضحه الله على رؤوس الأشهاد وهو يحمل على رقبته هذه البهائم وهي (ترغو أو تخور او تيعر) زيادة في تحقيره ولاظهار جرمه ليعاقب عليه ويعذب عذابا شديدا.
جملة القسم (والله) وجواب القسم (لا يأخذ أحد ... . ) ، وقد جاء فعل الجواب مضارعا مسبوقا بأداة النفي (لا) فلا يزاد عليه شيء من التوكيدات.
وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( أما نحن فو الله ما نرى ودّه ولا حديثه إلا إلى المنافقين ) ) [4] ، هذا جزء من حديث رواه عتبان بن مالك (- رضي الله عنه -) حين أستدعى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى له. وإذا برجل يسأل عن أحد الصحابة ممّن شهد بدرا واسمه مالك فقيل فيه إنه منافق، فنهاه الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عن اطلاق هذه الكلمة على رجل مسلم يقول لا الله الا الله ثم اجاب فاقسم الرجل انه لا يعلمه، الا وهو يحب المنافقين ويتحدث معهم.
لا يجوز سوء الظن بالمسلمين لمجرد الشبهة او لمجرد حديثه مع أهل الضلال، فما دام يقول كلمة الشهادة فهو مسلم موكولة سريرته إلى الله. جملة القسم (فوالله) وجواب القسم فعل مضارع مسبوق بـ (ما) النافية.
إذا اجتمع الشرط والقسم في جملة يكون الجواب للمتصدر منهما [5] ، مثل قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [6] ، في غزوة بني المصطلق تشاجر رجل من الأنصار وآخر من المهاجرين فنادى الأنصاري ياللأنصار والمهاجر يا للمهاجرين، فاستطلع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) الخبر فقال: (( دعوها فإنها خبيثة، فإنها من دعوى الجاهلية ) ) [7] ، حتى وصل الخبر إلى راس النفاق، عبد الله بن ابيّ، فقال أوقد فعلوها يقصد (المهاجرين) لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه والأذل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، فوقف ابنه على باب المدينة لا يأذن له بالدخول إليها حتى أذن له الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فكان هو الأذل والرسول هو الأعز [8] ، هنا اجتمع الشرط مع القسم، فكان الجواب للقسم، لان القسم تقدم على الشرط، بدليل دخول اللام الموطئة على القسم في (لئن) واللام في (ليخرجن) اللام واقعة في جواب القسم ووجود نون التوكيد مع الفعل المضارع. وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم [9] ، واستعمل الرجل اسم التفضيل (الأعز والأذل) وهما من فعل ثلاثي (عزّ وذلّ) ليجعل من نفسه اكثر عزة ومناعة وقوة من غيره، وهناك أذلاء ومن بينهم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) وحاشا للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) أن يكون ذليلا بل هو عزيز وخصمه ذليل.
(1) ر 209/ 103.
(2) ينظر: الحلال والحرام في الإسلام، د. يوسف القرضاوي / 300.
(3) صحيح البخاري 9/ 36.
(4) ر 417/ 170.
(5) البرهان في علوم القرآن للزركشي 3/ 46؛ وينظر: النحو الوافي 2/ 503.
(6) سورة المنافقون، من الآية 8.
(7) صحيح البخاري 6/ 191.
(8) ينظر: تنوير الأذهان من تفسير روح البيان، للشيخ البرسوي، إختصار: الشيخ الصابوني 4/ 219.
(9) الجدول في إعراب القرآن 28/ 258.