حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لايخاف الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون )) [1] .
يرسي الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) العقيدة في قلوب أصحابه بأن من قبلهم كانوا اكثر تعرضًا للتعذيب والتمثيل، لكنهم صبروا لعلمهم بأن الحياة امتحان والدنيا اختبار والحياة الأخرى هي دار الجزاء، ويمكن أن يخرج المرء منها ولم يجن من ثمارها شيئا كما خرج هؤلاء، بل عذبوا واضطهدوا وقتلوا فلم يرتد منهم أحد. ثم يقسم لهم الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قسم الواثق من نصر الله والمطمئن بتحقيق وعده بأن الإسلام سينتشر حتى يصل جنوبا إلى بلاد اليمن، وقد عمّ الأمن والإيمان والسلام والإسلام حتى لا يخاف المرء أحدا إلاّ الأمور العادية من السباع والهوام، وهذه من نبوءة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقد تحققت بفضل الله ورحمته إلى أن وصل الإسلام الكرة الأرضية كلها.
والله: جملة القسم، وقد حذف الفعل وجوبا مع حرف القسم (الواو) وجواب القسم (ليتّمنّ الله) ، وقد أكد باللام ونون التوكيد الثقيلة، لأن الفعل مضارع ومثبت ولم يفصل عن لامه بفاصل.
أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) أخبر في الحديث بأن الإسلام سيعم الجزيرة كلها حينما قال: (ليتمن) فلم يبق فيها دين غير الإسلام، وشكوى الصحابة ليست عن تضجر ولا تبرم، ولكن الطبيعة البشرية تستأنس بالسلامة والأمان، ولأن المرء لم يخلق حتى يعذب في هذه الحياة فتضجرهم نابع من طبيعة الانسان عندما يلاقي الشدة والعنف، فليس تبرمهم من الاسلام، ولكن النفوس تمل عند التعذيب وتتضجر بالأذى. ومع هذا العذاب والاضطهاد، نجحوا في الامتحان وفازوا في الاختبار، ونالوا رضوان الله وعزه في هذه الحياة وبعد الممات بهذا الابتلاء.
ومن القليل الجائز اقتران جواب القسم أما باللام أو بتوكيد النون [2] كقولك"والله لأذهب إلى المدينة الآن"أو"والله أذهبن إلى المدينة"ولم أجد حديثا في رياض الصالحين جواب القسم فيه مضارع مؤكد باللام أو بالنون من دون اقترانهما معا.
واذا كانت الجملة (جملة جواب القسم) فعلها مضارعا منفيا لم يزد عليها شيء إلاّ أحد حروف النفي الثلاثة وهي (ما) و (لا) و (إن) ، كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( والله لا يأخذ أحد
(1) ر 41/ 40.
(2) ينظر: شرح الكافية الشافية 2/ 837.