تأثيرًا في رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فكأنما يريد أن ينفي عن كعب ما قاله ذلك الرجل من الكبر والعجب.
يؤتى بـ (ما) لأغراض متعددة وغايات كثيرة منها: إلإيجاز حتى لا يكون هناك ملل ونريد أن لا نطيل الكلام، ويمكن أن تأتي بها للإبهام فلا تريد ذكر شئ أن يسمعه الآخرون، كقولك (بئسما فعلت) وهو قد ارتكب إثما فلا تريد أن ينشر خبر فعله. أو أن يكون الأمر أو الخبر معلوما لدى السامع فتشير إليه.
يحتاج الفعلان (نعم وبئس) إلى اسم مرفوع بعدهما سوى الفاعل وهو الاسم المخصوص بالمدح أو بالذم [1] ، ويأتي هذا الأسم على نوعين وهما:
1 ـ أن يكون اسما مرفوعا.
2 ـ أن يكون ضميرا، وينقسم إلى قسمين:
أـ إما أن يكون ضميرا مستترا.
ب ـ أو أن يكون ضميرا ظاهرا.
1 ـ أن يكون المخصوص بالمدح أو الذم إسما مرفوعا: كقولك:"نعم الدين الإسلام"فالإسلام هو أسم مرفوع مخصوص المدح بـ (نعم) ، وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل ) ) [2] .
الأدام: بكسر الهمزة ما يؤتدم به مائعا كان أو جامدا وجمعه أدم بضم الهمزة والدال كأهاب وأهب، والأدم بإسكان الدال مفرد كالأدام [3] .
مدح الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) (الخل) عند سؤاله عن الأدام، فقالوا ليس عندنا شيء الاّ الخل فبدأ يأكل ويقول: (( نعم الأدم الخل ) )استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في كلامه (نعم) لمدح الخل، الذي هو فعل ماض لإنشاء المدح مبني على الفتح وفاعله هو (الأدم) والمخصوص بالمدح هو (الخل) فهو اسم مرفوع يحتاجه فعل المدح مبالغةً.
مدح رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) (الخل) لأنه يجعل الخبز سائغا في حلقه، ولأن الذي لا يشكر ما آتاه الله تعالى وان كان قليلا جحد نعم الله عليه، ولأن المسلم مأمور أن ينظر إلى من هو أسفل منه وأقل منه مالا، ولا ينظر الى من هو فوقه لئلا يزدري نعمة الله عليه. ولأن فيه فوائد صحية يقيم بدن الانسان، ويدل الحديث على تواضع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الطعام، ويروى عنه أنه ماعاب طعاما قط. وأنه (- صلى الله عليه وسلم -) كرر كلامه ليكون مدحه للخل أكثر تأكيدا واسماعا لأهله وأبلغ في ايصاله إلى نفوس الآخرين.
فالجملة الثانية (نعم الأدم الخل) توكيد للجملة الأولى. وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( بئس الطعام طعام الوليمة يدعى اليها الأغنياء ويترك الفقراء ) )وقد سبق شرح الحديث في الصفحة (السبعين) .
فالمخصوص بالمدح هنا هو (طعام الوليمة) فهو اسم مرفوع ظاهر هو مضاف إلى معرف بـ (أل) .
2 ـ المخصوص بالمدح أو الذم ضمير: فيكون على نوعين:
أـ أن يكون ضميرا مستترا: يأتي المخصوص بالمدح أو الذم بعد الفعل، وإذا تقدم عليه يكون اسما مشعرا بالمدح أو الذم، والمخصوص يكون ضميرا مستترا، كقولك: (زيد نعم الرجل) فـ (زيد) مبتدأ مرفوع وهو مشعر بالمدح، وجملة: (نعم الرجل) في محل رفع خبر المبتدأ، والمخصوص بالمدح ضمير مستتر تقديره: (هو) .
وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) [4] ، أمر رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أصحابه أن يستعينوا بالله (- عز وجل -) عندما أخبرهم عن الملك الموكل بالنفخ لقيام الساعة، وأن يلتجئوا اليه ويدعوا ربهم فهو كافيهم من هولها وحاميهم من رعبها. والقرن هو البوق الذي ينفخ فيه الملك لبدء يوم القيامة [5] . وفي هذا الحديث النبوي حذف المخصوص بالمدح، لأنه دل عليه ماقبله وتقديره (هو) العائد الى لفظ الجلالة (الله) ، فالمخصوص إذن (
(1) شرح الكافية 2/ 1110، الغرة المخفية، لابن الخباز 2/ 474؛ معاني النحو 4/ 676؛ النحو الوافي
(2) ر 737/ 264.
(3) ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني 8/ 314.
(4) ر 409/ 166.
(5) ينظر: تفسير جامع البيان 5/ 363.