ومن ذلك يتبين لنا أهمية أسلوب القسم في القرآن الكريم بوصفه وسيلة مهمة في تحقيق المعاني. وكذلك نرى أهمية أسلوب القسم في الحديث النبوي الشريف وهو ينتظم في كل كلامه (- صلى الله عليه وسلم -) وهو يواجه نفوسا متباينة في الخطاب بتأكيد ما يخبر به (- صلى الله عليه وسلم -) ولإزالة الشكوك من نفوس المخاطبين.
كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( انا والله لا نولي هذا العمل أحدا سأله أو أحدا حرص عليه ) ) [1] .
يقسم رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على عدم توليته أحدا سأله عنها أو حرص عليها، لأن سؤاله وحرصه يشعران أنه لم يسع في ذلك لنفع المسلمين، بل لنفع نفسه ليجمع حطام الدنيا، وفي ذلك افساد للدين والدنيا، وهذا ضرر على الأمة، فعلى الحكام أن لا يولوا أحدا منصبا الا اذا كان كفوءا له وأمينا عليه، فأتى بالمقسم به وهو (والله) لأنه لا يجوز القسم بغيره وجوابه لا نولي.
والصيغة الأصلية للقسم أن يؤتى بالفعل أقُسم أو أَحلف متعديا بالبًاء في المقسم به، ثم يؤتى بالمقسم عليه فيتكون أسلوب القسم من: (الفعل + المقسم به + المقسم عليه) . ومن عادة العرب الايجاز لذلك، فهم يحذفون فعل القسم ويعوضون عنه بالواو ثم التاء [2] .
هي: الباء، الواو، التاء، اللام، الميم المكسورة، من [3] .
1 ـ الباء:
هي الأصل في القسم، لأنها تتعدى بفعل القسم إلى المقسم به، مثل: أقسم بالله أو أحلف بالله، ومنه قوله تعالى {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [4] ، وقوله تعالى {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [5] ، ولأنها كذلك تدخل على المضمر كما تدخل على المظهر كقولك: أقسم بالله لأدعون إلى الله وبه لأرشدن.
أما الواو فلا تدخل الا على الظاهر. ومما جاء على تعدية المقسم به بالباء قول جابر بن عبد الله (- رضي الله عنه -) في الحديث الذي يرويه عن رسول الله في كتاب رياض الصالحين برقم (520) (( فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا ليخبز كما هو ) ) [6] . نرى أن جابرًا حلف وأنه قد جاء بجملة القسم المكونة من فعل القسم (أقسم) وبالمقسم به لفظ الجلالة (الله) صراحة متعديا بالباء، وأكد جواب القسم باللام وهو (لأكلوا) وكان الأفصح اقتران الجواب (باللام وقد) معا رغم جوازه بقلّة [7] ، وكان الجائز أن يحذف فعل القسم ولكنه جاء به وفي طياته بلاغة هي لتوكيد كلامه بأنهم كانوا ألفا وأنهم قد أكلوا حتى شبعوا لثبت معجزة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في تكثير الطعام ببركة دعاء الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ومن ثم أكد هذه المعجزة بأن واللام الداخلة على الفعل (تَغِطُّ) وأخبر أن البرمة بقيت كما لم يأكل أحد منها وكذلك العجين ليخبز كما هو.
2 ـ الواو:
حرف جر يفيد القسم، وقال بعض النحويين [8] : ان أصلها"الباء"وذلك أن العرب يحبون الايجاز فحذفوا الفعل وعوضوا عنها أي عن الباء بالواو تخفيفا.
ان واو القسم لها شروط، وهي:
1 / أن لا تدخل على ضمير وإنما على اسم ظاهر.
2 / أن يحذف فعل القسم مثل قوله تعالى {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [9] ، أي أقسم بالقرآن الحكيم [10] وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( والله اني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) ) [11] .
3 ـ التاء:
حرف جر للقسم وتفيد التعجب ولا تجر من الأسماء الظاهرة الا ثلاثة: (الله ـ رب ـ الرحمن) وجاء في القاموس المحيط [12] "حرف جر للقسم ويختص بالتعجب وباسم الله تعالى (الله) ، وربما قالوا: ترب ـ وترب الكعبة ـ وتالرحمن".
(1) ر 680/ 245.
(2) ينظر: شرح الكافية الشافية، لجمال الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الطائي الجياني 2/ 862،
النحو الوافي، لعباس حسن 2/ 489. ينظر مباحث في علوم القرآن، لمنّاع القطّان / 290.
(3) ينظر أساليب بلاغية / 108.
(4) سورة النور، من الآية: 53.
(5) سورة التوبة , من الآية: 63.
(6) ر 520/ 201.
(7) النحو الوافي 2/ 499.
(8) شرح الكافية الشافية 2/ 862.
(9) سورة يس، الآية: 2
(10) ينظر مواهب الرحمن في تفسير القرآن لعبد الكريم المدرس 6/ 456.
(11) ر 1870/ 551.
(12) 4/ 411. وينظر: كتاب سيبويه 3/ 497.