أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [1] ، وكقوله تعالى: {بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [2] ، وكقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [3] .
نرى الآيات السابقة فيها (ساء) ، وقد استعملت استعمال (بئس) من حيث أحكامها ومعناها، كما أن (بئس) تحتاج الى فاعل ومخصوص بالذم وأحيانًا تمييز، فكذلك (ساء) ففي الآية الأولى (فاعل) ساء مضمر تقديره (هو) وسبيلا تمييز منصوب وفي الآية الثانية فاعلها (مطرُ) المنذرين والمخصوص بالذم محذوف دل عليه ما قبله وتقديره (هو) ، وفي الآية الثالثة فاعل (ساء) مضمر تقديره هو و (ما) تمييز أو هو اسم موصول في محل رفع فاعل.
ومن ذلك قول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في حديث يرويه أبو هريرة حيث يقول: (( وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة! كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن أتقوى ... بها ) ) [4] كان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لايأكل من الصدقة، لأنها لاتحل له ولا لآله وإذا أتته بعث بها الى أهل الصفة وهم أضياف الإسلام لايأوون على أهل ولا مال ولا على أحد. والصفة: بناء في آخر المسجد النبوي كالمصطبة يأوى اليه الفقراء [5] من المسلمين، وليس لهم شيء غير عبادة الله والجهاد مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) . وإذا أتته هدية كان يبعث بها اليهم ويشركهم فيها ويصيب بعضا منها، وفي يوم من الأيام أخذ أبا هريرة معه الى البيت فوجد قَدَحا فيه لبن فسأل عن هذا اللبن فقيل له هدية لك من فلانة أو فلان، فأرسل أبا هريرة إلى أهل الصفة ليسقيهم من هذا اللبن فلّما أرسله اليهم يدعوهم الى بيت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فحدثته نفسه بأنه لبن قليل ولايكفي هؤلاء وهو في حالة من الجوع لايحسد عليها فقال في نفسه ما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربةً أتقوى بها فسقاهم جميعا حتى ارتووا ثم شرب ابو هريرة من ذلك اللبن حتى ارتوى، وبقيت فضلة فشربها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) . وهذا من بركات رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ومعجزاته، حيث تكرر مرات عديدة تكثير الطعام والشراب معجزة له (- صلى الله عليه وسلم -) .
واستعمل أبو هريرة لفظة (ساءني) التي تفيد الإساءة على حسب معناها اللغوي مع إفادة الذم الخاص ودون أن تخلو من التعجب.
(1) سورة النحل، الآية: 25.
(2) سورة الكهف، الآية: 29.
(3) سورة المجادلة، الآية: 15.
(4) ر 502/ 196.
(5) نزهة المتقين 1/ 374.