رياض الصالحين كما هو دال من عنوانه روضات يسرح بها الصالحون بأرواحهم ويتحلقون في سماء الأخلاق الفاضلة والخلال الكاملة ويسيحون في هذه الخصال الحميدة والصفات الرشيدة، ولأن الكتاب فيه باقة عطرة من الأحاديث النبوية الفوّاحة في موضوعات شتى متماسكة من عقيدة وشريعة ومنهج حياة وأخلاق ومعاملات وغيرها، بحيث لو اعتمد الإنسان عليه في حياته والتزم ما فيه لأصبح ذلكم الإنسان الذي به يقتدى وبنوره وتعاليمه يهتدى، وكان قمين بنا دراسته وتعلمه لتحقيق غايته فكان لابد من سبيل يوصل إلى فهمه وتدبره للوصول إلى دقائق مقاصده وعجائب مراميه، كيف نفهمه ونحن جاهلون بلغته وغافلون عن بلاغته؟
وكان من الواجب تعلم لغة القرآن والحديث، لأنه مالا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وهذا مما دفعني أيضًا إلى تعلم اللغة الجميلة لنيل مناي وبلوغ غايتي والوصول إلى مآربي، وكان من حسن حظي أن وقع الإختيار على موضوع"الأساليب الإنشائية غير الطلبية في أحاديث رياض الصالحين"، وهذا الموضوع قد مرّ عليه علماؤنا مرّ الكرام قديمًا وحديثًا لأسباب سنذكرها إن شاء الله عندما نتطرق إلى عدم اهتمام البلاغيين به.
أما خطتنا في كتابة الرسالة، فبدأت بمقدمة وتمهيد تناول معنى الإنشاء لغة واصطلاحًا، ومن ثم تقسيمه إلى إنشاء طلبي وغير طلبي، فأوجزت الإنشاء الطلبي ليكون الناظر في الرسالة على علم بالإنشاء بشقيه، ثم فصّلت الشق الثاني منه وجزأته إلى أربعة فصول، فكان الفصل الأول منه هو: أسلوب القسم، فبدأت بشرح القسم وأدواته وعناصره وأنواعه ولتتبيّن سبيل معاني هذه اللغة وفصاحة رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وبلاغته في التأثير في قلوب بني البشر ليأخذ بأيديهم إلى شاطئ الأمان والسلام، ومن ثم عمرهم القصير إلى حياة سرمدية ملؤها العزة والكرامة والسعادة. ثم انتقلت بعد ذلك إلى الفصل الثاني: أسلوب المدح والذم، ويشمل أفعال المدح والذم فقسمتها إلى أفعال قياسية وإلى أفعال غير قياسية سواءًا في المدح أو الذم، وبعد ذلك بدأت بالفصل الثالث وهو: أسلوب التعجب، فأخذت في تعريف التعجب وتقسيمه إلى قياسي وغير قياسي، كما فعلت مع أفعال المدح والذم، ثم جاء الفصل الرابع بعنوان: أساليب أخرى، وضمّ ثلاثة مباحث، أما الأول فكان في أسلوب الرجاء، والمبحث الثاني في صيغ العقود، والمبحث الثالث في (ربّ وكم الخبرية) ، ودعمت شرحي في كل تقسيم من الفصول السابقة بالأحاديث الواردة في كتاب رياض الصالحين محللًا لها وما يتعلق بالموضوع ومفسرًا ما كان غامضًا من ألفاظها وموضحًا عباراتها وأساليبها معتمدًا على انتقاء الشواهد بنسب تتناسب مع ورود الألفاظ في هذه الموضوعات كثرة أو قلّة مستعينًا في