فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 222

لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وان لكم ان تشبوا فلا تهرموا أبدًا وان لكم إن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا )) [1] .

يوضح لنا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : نعيم الجنة بأنه لا آلام ولا أسقام وليس فيه هرم ولاموت بخلاف نعيم الدنيا الذي يعرفه الانسان فهو مشوب بأمراض وأوجاع والحياة في الدنيا وراءها الموت، والشباب وراءه الشيخوخة والكبر، ونعيمها وراءه ضر وشقاء وكدر وبلاء.

فاستعمل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الفعلين (تنعم) و (تبأس) وهما فعلان مضارعان منصرفان.

فالفعل (نعم) : معناه لغة فرح وسرّ [2] كقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه؟ ) ) [3] .

أي لا أفرح ولا أترف ما دام الملك قد أخذ بوق النفخ لينفخ فيه دلالة على قيام الساعة، قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [4] .

والفعل بئس / يبأس بؤسًا وبئيسًا إذا افتقر واشتدت حاجته [5] . والاستعمال الثاني أن يكونا لإنشاء المدح والذم، وهنا هما جامدان لاينصرفان أي يلتزمان حالة واحدة من تصريفات الأفعال، فهما فعلان ماضيان جامدان [6] .

(نعم وبئس) للمدح والذم:

فالفعل (نعم) يدل على المدح العام و (بئس) يدل على الذم العام، فيراد بهما العموم في المدح أو الذم فليس مقصورا على شيء معين ولا على صفة خاصة ولايتجه الى أمر آخر ولايتضمن معنى التعجب، فالمدح العام يشمل الفضائل كلها، مبالغة ولايقتصر على بعض منها كالعلم والصدق، والذم العام يشمل العيوب كلها مبالغة ولايقتصر على بعض منها مثل: الكذب والغش والجبن [7] ، كقوله تعالى في المدح العام: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [8] ، وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( حسبي الله ونعم الوكيل ) ) [9] .

وفي الذم العام كقوله تعالى: {أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [10] ، وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( بئس ما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت ) ) [11] .

يعدّ كل لفظ منهما في هذه الصورة فعلًا ماضيًا لازمًا جامدًا لابدّ له من فاعل، وكذلك أنهما متجردان من دلالتهما الزمنية ومنسلخ عنها بعد أن تكونت منه ومن فاعله جملة إنشائية غير طلبية يقصد منها إنشاء المدح العام أو الذم العام من غير ارادة زمن ماض أو غيره، فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من (الانشاء المحض غير الطلبي) لا دلالة فيه على زمن أبدًا [12] .

(1) ر 1892/ 557.

(2) لسان العرب، لابن منظور 3/ 674. مادة (نعم) .

(3) مسند أحمد بن حنبل 1/ 326.

(4) سورة الزمر، الآية: 68.

(5) لسان العرب 1/ 152. مادة (بئس) .

(6) الأشموني على ألفية بن مالك 4/ 192؛ والنحو الوافي: 3/ 369.

(7) النحو الوافي 3/ 368.

(8) سورة الحج، الآية: 78.

(9) ر 259/ 118.

(10) سورة آل عمران، الآية: 162.

(11) صحيح البخاري، حاشية السندي 3/ 166.

(12) النحو الوافي 3/ 369.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت