الصفحة 169 من 210

و قد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم النهي عن مثل هذا في حديث من قوله: «إذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللّه وما شاء فعل» ، وقد قال بعض العلماء:

معنى هذا إذا قاله على الحتم والقطع على الغيب أنه لو كان كذا لكان كذا، أو دون اشتراط مشيئة اللّه عز وجل والالتفات إلى سابق قدره ومغيب علمه، قال: وأما من قال ذلك على التسليم، ورد الأمر إلى القضاء والمشيئة، فلا نهي فيه ولا كراهة، وكأن بعضهم أشار إلى أن (لو لا) بخلاف (لو) .

قال القاضي رحمه اللّه: والذي عندي أنهما سواء إذا استعملت فيما لم يحط به الإنسان علما، ولا هو تحت مقدور قائلها، مما هو تخرص على الغيب واعتراض على القدر، وكما نبه عليه في الحديث، ومثل قول المنافقين:

لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، فرد اللّه عليهم قولهم وأكذبهم في تخرصهم بقوله تعالى: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، فمثل هذا هو المنهي عنه لما ذكرنا.

والنبي عليه السّلام أخبر عن يقين نفسه ..

فلا تعارض بينه وبين الحديث الآخر.

وهذا مثل ما أخبر اللّه تعالى من ذلك في كتابه مما هو حق؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، بقوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وكذا كما جاء من (لو لا) لقوله تعالى: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْالآيتان، وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً احِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ الآية؛ فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ الآية؛ لأن اللّه مخبر في ذلك كان عما مضى، وسيأتي عن علم صادق وخبر يقين، ولو جاء مثل هذا عن عباده لكان تخرصا على غيب اللّه تعالى إلا فيما شهد لصحته العقل أو بعلمه الشرع؛ لقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ، وكذلك قوله عليه السّلام: «و لو لا اللّه ما اهتدينا» .

وأما قول لوط عليه السّلام: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً فإنما أخبر عن نفسه بأمر ممكن داخل تحت قدرة البشر من دفعهم، بشرط لو كان معه قوة لدافع بها عن ضيفه من يريد ضررهم والمنكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت