قبل المبعث بثلاث سنين مع صواحبه، وأنه كان يتوجه عشاء حيث يوجهه اللّه.
ومن طالع أخبارهم ودرس أشعارهم علم ذلك منهم ضرورة، فجاء الشرع بالأمر بهذه العبادات وهي عندهم معلومة مفهوم المراد منها؛ من أن الصوم: إمساك مخصوص على أفعال مخصوصة بالنهار دون الليل، والاعتكاف: لزوم للتعبد والتبرز بمكان مخصوص، والحج: قصد مخصوص لبيت اللّه الحرام، يشتمل على وقوف بعرفة وطواف بالبيت ودعاء وذكر وتبرز، وأن الصدقة: بذل المال للمحتاج، ثم سميت زكاة لما فيها من زكاة المال ونمائه، أو زكاة صاحبه وتطهيره، كما قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: (103) ] ، فإن لم تجد تسمية الزكاة الشرعية قبل معروفة، فالصدقة معروفة، وقد قال الأعشى [1] في مدحه صلى اللّه عليه وسلم:
له صدقات ما تغبّ ونائل [2]
ومع هذا التقرير، فلا مجال للخلاف مع الإنصاف، وقد طالعت بهذا الرأي أهل التحقيق من شيوخي فما رأيت منهم منصفا ردّه [3] .
إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية، أبان اللّه تعالى فضل نبيه صلى اللّه عليه وسلم بصلاته عليه ثم بصلاة ملائكته وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه، وقد حكى أبو بكر بن فورك: أن بعض العلماء تأول قوله صلى اللّه عليه وسلم: «و جعلت قرة عيني في الصلاة» على هذا، أي: في صلاة
(1) «الأعشى ميمون بن قيس هومن سعد بن ضبيعة بن قيس، وكان أعمى، ويكنى أبا بصير، وكان جاهليا - - قديما، وأدرك الإسلام في آخر عمره، ورحل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ليسلم، فقيل له: إنه يحرم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم! فمات قبل ذلك بقرية باليمامة، .. وكان للأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره» ، الدينوري، الشعر والشعراء، ص (48) .
(2) صدر البيت الذي يقول فيه:
له صدقات ما تغبّ ونائل
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
ابن هشام، سيرة ابن هشام (ج(1) /ص (386 ) ) .
ومعنى البيت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم تكن الصدقات تمكث عنده ولها طالب، قال ابن فارس: «الغين والباء» أصل صحيح يدل على زمان وفترة فيه «معجم المقاييس غبّ» ، ص (809) ، وانظر: ابن منظور، لسان العرب نيل، (685) / (11) .
(3) عياض، الإكمال، (234) / (2) - (236) ؛ المشارق، (44) / (2) - (45) .