فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 65

~وَكَالشِّيعَةِ الَّذِينَ قَدْ حَقَّ حُبُّهُمْ عَليًّا وَلَكِنْ قدْ تَغَالَوْا وَقَدَّمُوا

(التَّشيُّع) : هو محبَّة عليٍّ وتقديمه على الصَّحابة، فمَن قدَّمه على أبي بكر وعمر، فقد غلا في تشيُّعه، ويطلق عليه رافضيٌّ وإلَّا فهو

ص 47

شيعيٌّ، فإن انضاف إلى ذلك السَّب أو التَّصريح بالبغض؛ فغال في الرفض، وإنِ اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشدَّ في الغلوِّ.

~عَلِيٍّ مِنْ مُحَمَّدٍ ابْنِهِ أبُو هَاشِمٍ مِنهُمْ وَقَدْ كَانَ يَهْشِمُ

عبد الله بن محمَّد بن الحنفيَّة: روى عنه وعن أخيه الحسن مقرونًا به الزهريُّ في (النِّكاح) وفي (غزوة خيبر) كان صاحب الشيعة فأوصى إلى محمَّد بن عليِّ بن عبد الله بن عبَّاس، وصرف الشيعة إليه ومات عنده، قال البُخاريُّ: كان الحسن بن محمَّد بن الحنفيَّة أوثقهما في أنفسنا، وكان عبدالله يتبع السبائيَّة.

قال ابن حجر: والسبائيَّة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وكان من رؤوس الروافض، وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولما غلب على الكوفة، وتتبَّع قتلة الحسين فقتلهم؛ أحبَّتهُ الشيعة، وفارقه أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب، وكان من رأي السبائيَّة موالاة محمَّد بن عليِّ بن أبي طالبٍ، وكانوا يزعمون أنَّه المهديُّ، وأنَّه لا يموت حتَّى يخرج في آخر الزمان، ومنهم مَن أقرَّ بموته، وزعم أنَّ الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا، ومات أبو هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمانٍ أو تسعٍ وتسعين.

ومنهم: جرير بن عبد الحميد: نسبه قتيبة إلى شيءٍ من التشيُّع المفرط، قال عليُّ بن المدينيِّ: كان صاحب ليل، وكان له رَسَنٌ إذا أعيا تعلَّق به.

ومنهم: عبَّاد بن يعقوب: قال في «المقدِّمة» : رافضيٌّ مشهور إلَّا أنَّه كان صدوقًا، قال الحاكم: وكان ابن خزيمة إذا حدَّث عنه يقول: حدَّثنا الثقةُ في روايته، المتَّهم في رأيه، عبَّاد بن يعقوب، وقال ابن حبَّان: كان رافضيًّا داعية، وقال صالح بن محمَّد: كان يشتم عثمان رضي الله عنه.

قلتُ: روى عنه البخاريُّ في كتاب «التَّوحيد» حديثًا واحدًا، وهو حديث ابن مسعود: «أيُّ العمل أفضل» وله عند البُخاريِّ طريقٌ أخرى من رواية غيره.

ومنهم: عبيد الله بن موسى: قال في «المقدِّمة» بعد نقل كلام من وثَّقه: قال ابن سعد: كان صدوقًا، حسن الهيئة، وكان يتشيَّع، ويروي أحاديث في التشيُّع منكرةً، وضعِّف بذلك عند كثيرٍ من النَّاس، وعاب عليه أحمد غلوُّه في التشيُّع مع تقشُّفه وعبادته.

أقول: وفي «التَّهذيب» : قال أحمد بن عبد الله العجليُّ: ثقةٌ، وكان عالمًا بالقرآن رأسًا فيه، وقال أيضًا: ما رأيته

ص 48

رافعًا رأسه، وما رُئِيَ ضاحكًا قطُّ، وقال أبو عبيد الله الآجرِّيُّ: كان محترمًا شيعيًّا جاز حديثه.

ومنهم: عديُّ بن ثابت الأنصاريُّ الكوفيُّ التَّابعي المشهور قال في «المقدِّمة» : وثَّقه أحمد والنسائيُّ والعجليُّ والدارقطنيُّ إلَّا أنَّه قال: كان يغلو في التَّشيُّع، وكذا قال ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوقٌ وكان إمام مسجد الشِّيعة وقاضيهم، وقال عفَّان عن شعبة: كان من الرفَّاعين.

ومنهم: عليُّ بن الجعد: تكلَّم فيه أحمد من أجل التَّشيُّع، ومن أجل وقوفه في القرآن.

~وَمِنْهُمْ أبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ فَضْلُهُ بَدَا فِي امْتِحَانٍ نَارُهُ تَتَضَرَّمُ

أبو نعيم الفضل بن دُكين: قال في «المقدِّمة» أحد الأثبات إلَّا أنَّ بعض النَّاس تكلَّم فيه بسبب التشيُّع، ومع ذلك فصحَّ أنَّه قال: ما كتبتْ عليَّ الحفظة إنَّي سببتُ معاوية.

أقول: وفي «التَّهذيب» للمزِّيِّ: قال محمَّد بن إسحاق الثقفيُّ عن محمَّد بن يونس الكُدَيْمِيِّ: لما أدخل أبو نعيم على الوالي ليمتحنه، وثمَّ أحمد بن يونس وأبو غسَّان وذكر غيرهما، فأوَّل من امتحن فلان فأجاب، ثمَّ عطف على أبي نعيم، وقال: قد أجاب هذا، ما تقول؟ فقال: والله ما زلت أتَّهِم جدَّه بالزندقة، ولقد أخبرني يونس بن بُكَير أنَّه سمع جَدَّ هذا يقول: لا بأس أنْ تُرمى الجمرة بالقوارير، أدركت الكوفة وبها أكثر من سبع مئة شيخٍ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله، وعُنُقي أهونُ عليَّ من زِرِّي هذا، [أي: وقد أخذ زِرَّه فقطعه] فقام إليه أحمد بن يونس فقبَّل رأسه، وكان بينهما شحناء وقال: جزاك الله من شيخٍ خيرًا.

وقال أبو سهل بن زياد القطَّان عن الكُدَيْمِيِّ: سمعت أبا نعيم يقول: كثُر تعجُّبي من قول عائشة رضي الله عنها:

[ذهب الذين يُعاش في أكنافهمِ]

لكنَّ أبا نعيم يقول:

~ذهب النَّاس فاستقلُّوا وصِرْنَا خَلَفًا في أراذِلِ النَّسْنَاسِ

~فِي أُنَاسٍ نَعُدُّهُم من عَدِيدٍ فإذَا فُتِّشُوا فَلَيْسُوا بِنَاسِ

~كُلَّمَا جِئْتُ أبتغي النَّيلَ مِنهم بَدَروني قَبلَ السُّؤَالِ بِيَاسِ

~وَبَكَوْا لِي حَتَّى تَمنَّيتُ أنِّي مِنهم قدْ أفلْتَ رأسًا بِرَأسِ

ودقَّ عليه رجلٌ الباب: فقال: مَن ذا؟ فقال: أنا، فقال: من أنا؟ فقال: أنا رجلٌ من ولد آدم، قال: فخرج إليه أبو نعيم وقبَّل ما بين عينيه وقال: مرحبًا وأهلًا،

ص 49

ما ظننتُ أنَّه بقي من هذا النسل أحدٌ.

وقال بشر بن عبد الواحد: رأيت أبا نعيم في المنام فقلت: يا أبا نعيم؛ ما فعل بك ربُّك عزَّ وجلَّ؟ _ يعني: فيما كان يأخذ على الحديث _ قال: نظر القاضي في أمري فوجدني ذا عيال، فعفا عني.

وقال عليُّ بن خشرم: سمعت أبا نعيم يقول: تلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثة عشر، وما في بيتي رغيفٌ.

وفي «ألفيَّة العراقيِّ» : لكن أبو نعيم الفضل أخذ وغيره، انظر الشروح ففيها وضوحٌ.

~كَذَا عَبْدُ رَزَّاقٍ وَقَدْ ضُرِبَتْ لهُ بُطُونُ رَوَاحِلٍ تَنُصُّ وَتَرْسُمُ

قال الكلاباذيُّ: عبد الرزَّاق بن همَّام الحميريُّ مولاهم اليمانيُّ، وفي ابن خلِّكان قال ابن السمعانيِّ: قيل: ما رحل النَّاس إلى أحدٍ بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ما رحلوا إليه.

وفي «التَّهذيب» : قال محمَّد بن أبي السَّريِّ العسقلانيِّ عن عبد الوهَّاب بن همَّام أخي عبد الرزَّاق: كنت عند معمر وكان خاليًا، فقال: يختلف إلينا في طلب العلم من أهل اليمن أربعة؛ رباح بن زيد، ومحمَّد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزَّاق بن همَّام، فأمَّا رباحٌ: فخليقٌ أنْ تغلب عليه العبادة فينتفع بنفسه ولا ينتفع به النَّاس، وأمَّا هشامٌ: فخليقٌ أنْ يغلب عليه السلطان، وأمَّا ابن ثورٍ: فكثير النسيان قليل الحفظ، وأمَّا ابنُ همَّام: فإنْ عاش فخليقٌ أن تُضرب إليه أكباد الإبل، قال محمَّد بن أبي السَّريِّ: فوالله لقد أتعبها.

وقال أبو الأزهر النيسابوريُّ: سمعت عبد الرزَّاق يقول: أفضل الشيخين بتفضيل عليٍّ إيَّاهما، ولو لم يفضِّلهما لم أفضِّلهما، كفى بي إزراءً أنْ أحبَّ عليًّا وأخالف قوله.

وقال أبو أحمد بن عليٍّ: ولعبد الرزَّاق أصنافٌ وحديثٌ كثيٌر، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمَّتهم، وكتبوا عنه، ولم يَروا بحديثه بأسًا إلَّا أنَّهم نسبوه إلى التَّشيُّع، وقد روى أحاديث في الفضائل ممَّا لا يوافقه عليه أحدٌ من الثقاتِ فهذا أعظمُ ما ذمُّوه من روايته.

قال أبو زرعة: وأخبرني أحمد ابن حنبل قال:

أتينا عبد الرزَّاق قبل المئتين وهو صحيح البصر، ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، وإلى هذا أشار في «الألفيَّة» بقوله في معرفة من اختلط من الثقات.

ومنهم: محمَّد بن فضيل بن غزوان الكوفيُّ: قال ابن معين: كان شيعيًّا، حسن الحديث، وقال أحمد بن عليِّ الأبَّار: حدثنا أبو هشام سمعت ابن

ص 50

فضيل يقول: رحم الله عثمان، ولا رَحِمَ مَن لا يترحَّم عليه، قال: ورأيت عليه آثار السُّنَّة والجماعة.

ومنهم: مالك بن إسماعيل النَّهْدِيُّ: من كبار شيوخ البُخاريِّ، مجمعٌ على ثقته، ذكره ابن عديٍّ في «الكامل» من أجل قول الجوزجانيِّ: إنَّه خشبيًّا _ يعني: شيعيًّا _ وسيأتي الكلام عليه في التَّصحيف.

~وَنَحْوُهُمُ النَّحْوِيُّ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرٍ مِنْ أَوَّلِهِمْ لَكِنَّهُ بِهِ يُخْتَمُ

قال الكلاباذيُّ: يَحيَى بن يَعْمُر أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد البصريُّ قاضي مرو، وحدَّث عن عائشة، وهو العدوانيُّ القيسيُّ النحويُّ التَّابعي المشهور، انتقل إلى خراسان، وكان عالمًا بالقرآن واللُّغة والنَّحو، أخذه عن الدؤليِّ، وكان شيعيًّا من الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقُّص لذي فضل من غيرهم، وهو القائل: إن الحسنين من ذرِّيَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بدليل آية: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} [الأنعام:84] قال: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر ممَّا بين الحسنين ومحمَّد صلَّى الله عليه وعلى آله، وبلغ ذلك الحجَّاج فأحضره بين يديه فأوعده، فخرج منه بالآية المذكورة فقال: ما أراك إلَّا قد خرجت والله، لقد قرأتها وما علمت بها قطُّ، قال ابن خلِّكان: وهذا من الاستنباطات البديعة الغريبة، وله معه محاورات، انظر: «وفيَّات الأعيان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت