~رَوَى عَنْ أَبِي النَّعِيمِ رِضْوَانَ سَيِّدٌ بِجَنَّةِ رِضْوَانٍ لَهُ الرَّبُّ مُنْعِمُ
(رَوَى) أي: القصَّار، عن جماعةٍ منهم: الشيخ الإمام المحدِّث الشهير إمام أهل الدهر والورع أبو النعيم سيِّدي رضوان بن عبد الله، قال في «الصفوة» : ومنهم: الشيخ الكبير الشأن سراج العابدين وشمس المريدين العالم العامل أبو النعيم سيِّدي رضوان بن عبد الله الجنويُّ، نسبةً إلى جنوة؛ بلدةٌ من بلاد الروم، أسلم أبوه فقدم إلى بلاد الإسلام، وسبب إسلامه حسب ما حكاه أبو العبَّاس أحمد الأندلسيُّ في رحلته: أنَّه كان له فرسٌ فانطلق من مربطه ليلًا، وخرج يدور في أزقَّة جنوة، وهو يعدو خلفه، إلى أنْ دخل الكنيسة العظمى، وجدها مفتوحةً، فدخل بإثره؛ متخوِّفًا أن يشعر به سرقة الكنيسة فتلحقه منهم إذاية، فراث الفرس داخل الكنيسة، فأخرجه وردَّه إلى مربطه كما كان، وهو في ذلك لم يلاق بأحد ولا أبصره أحد، فلمَّا أصبح النهار؛ خرج من منزله فوجد المدينة تقوم وتقعد بأهلها، والنَّاس في فرحٍ عظيمٍ، فسأل عن ذلك فقيل له: إنَّ المسيح جاء البارحة على فرسه إلى الكنيسة العظمى فراث فرسه، وإنَّ النَّاس يزدحمون على ذلك الروث حتَّى بيع قدر الذرَّة منه بمالٍ جزيلٍ، فعلم أنَّ النصارى في ضلالٍ، وهناك قذف الله الإسلام في قلبه، فقدم مسرعًا إلى بلاد الإسلام، فخرج برباط الفتح، ووجد هناك امرأةً يهوديَّةً وقع لها مثل ما وقع له، فأسلمت، فتزوَّجها، فولدت له صاحب الترجمة، فكان يقول على نفسه: أُخرجتُ من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ويقال: إنَّ أباه رأى في نومه أنَّه بال ياقوتة فعبرت رؤياه بأنَّه يلد ولدًا صالحًا، فكان كذلك.
كان رحمه الله إمامًا خاشعًا قانتًا زاهدًا ورعًا لم يكن مثله في زمانه، ولذلك قال الشيخ القصَّار سيِّدي رضوان: الرجل الصَّالح لو أدركه أبو نعيم لجعله في صدر حليته؛ ليقال مع أويس القرنيِّ، وكان شديد الخوف من الله، قريب الدَّمعة، كثير البكاء، حتَّى كان شيخه الإمام سفيان يسمِّيه رضوان البكَّاء، وربَّما صدرت منه صيحة؛ لغلبة الوجد عليه فتكاد القلوب أنْ تنفطر لها، وكان شديد الاتِّباع للسُّنَّة، معمور
ص 136
الأوقات بالعبادة، وكان يقول: أوقاتنا والحمد لله كلُّها معمورةٌ، ولو قيل غدًا تموت ما وجدت مستزادًا، وكان حافظًا للسانه ويقول: أرجو أنْ تكون صحيفتي خاليةً من الغيبة، ويقول لأصحابه: إنما نتعاون على الدِّين، ولست لكم بشيخٍ.
ومن وَرَعِه أنَّ السلطان المنصور بعث له يومًا زرعًا لداره فأفرغه حملته بها، ولم يجدوا الشيخ بالدار، فلما جاء؛ أمرهم بنقله وقال: لا حاجة لي به، فرفعوه، وكنس موضعه حتَّى كان يتتبَّع الثقب في الحائط بعودٍ في يده يخرج ما فيها من الحبوب، وكان السلطان المذكور أخذ عنه «صحيح البُخاريِّ» وأجازه فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائمٍ، شديد الشكيمة على الظلمة غير مكترث بهم، وحُكِيَ: أنَّه مرَّ يومًا بحاكم فاس وهو يفصل بين النَّاس، فتقدَّم إليه الشيخ فقال: أيُّها الحاكم أتعرف ابن الحاجب؟ قال: لا؛ فقال: أتعرف خليلًا؟ فقال: لا، فقال: أتعرف الرسالة؟ فقال: لا؛ إنما أنا حاكمٌ، فقال له: بأيِّ شيءٍ تحكم؟! لا يحلُّ السكوت عن هذا، فطلع للسلطان وأخبره بما رأى، فعزل الحاكم.
وله رحمه الله كراماتٌ يطول تتبُّعها، وشِعْرٌ حَسَنٌ في الأمداح النَّبويَّة وغيرها، وله حظٌ حسنٌ جدًّا، وقد أفرد أخباره بتأليف تلميذه أبو العبَّاس المرابيُّ وسمَّاه: «تحفة الإخوان في مناقب سيِّدي رضوان» ، أخذ عن الشيخ العارف بالله أبي محمَّد عبد الله الغزوانيِّ، وفد عليه وهو صغيرٌ فوجده يتوضَّأ، فَرَشَّهُ بغَرْفَة ماءٍ، فزرعت فيه الخيرَ وأنبتت فيه خصال الخير، وله أمداح في هذه الرشَّة، ولمَّا رحل الشيخ الغزوانيُّ لمراكش؛ انتقل صاحب التَّرجمة لمراكش؛ بقصد الانتفاع به، فبقي في صحبته نحو أربعة أشهر، ثمَّ توفِّي الشيخ، فبقي بعده بمراكش نحو السنة، ثمَّ عاد إلى فاس فصحب أخاه الشيخ أبا عبد الله سيِّدي محمَّد الطالب، وفي ملازمته له كانت شدَّة مجاهدته وخدمته، واشتغل بالعلم على شيخه سُقَّين وغيره، وأخذ أيضًا عن الشيخ الحاجِّ الشطيبيِّ وغيره، وتوفِّي رحمه الله قبل الألف، سنة إحدى وتسعين، وذكرناه؛ تبرُّكًا به ولكثرة جريانه في هذا
ص 137
التقييد، ودفن بمطرح الجنَّة خارج باب الفتوح.