فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 65

~رَوَاهُ عَنِ ابْنِ الحَاجِ وَاحِدُ أَنْجُمٍ جَوَارٍ بِغَرْبٍ سَعْدُهَا دَامَ يَنْجُمُ

قال في «المنح البادية في الأسانيد العالية» : وأَخَذَ السَّرَّاج عن الحافظ الخطيب أبي البركات محمَّد ابن الخطيب أبي بكر محمَّد ابن الخطيب الصَّالح أبي إسحاق إبراهيم السلميِّ البلفيقيِّ الغرناطيِّ.

وفي «نفح الطيب» : ومن أشياخ لسان الدين رحمه الله الإمام العلَّامة قاضي الجماعة أبو البركات ابن الحاجِّ هو محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم يُكنَّى أبا البركات، بلفيقيُّ الأصل، مَرَويُّ النشأة والولادة والسَّلف، يعرف بابن الحاجِّ شهرة قديمة، ونسبه متَّصلٌ بحارثة بن العبَّاس بن مرداس، صاحب رسول الله وأحد خُطَبائه وشُعَرائه، نشأ بالمرية بلده، غمر رداء الفضل لابس، فضفاض الصيانة، غضيض طرف الحياء، كثير الانقباض لا يُرى إلَّا في منزل من منازله، أو في حلق الأسانيد، أو في مقبرةٍ، أو في مسجد من مساجد خارج المدينة المعدَّة للتَّعبُّد، لا يغشى سوقًا ولا مجتمعًا ولا وليمةً ولا مجلس حاكم، ولا يلابس أمرًا من الأمور التي جرت عادة الناس بالقطر الغربيِّ وببجاية، ثمَّ صرف عنانه إلى الأندلس فتصدَّر للقراءة والقضاء والخطابة بالغًا في ذلك الدرجة التي لا درجة فوقها، وهو الآن نسيجٌ وحده، أصالةٌ عريقةٌ، وسجيَّةٌ على السلامة مفطورةٌ،

ص 144

ونفس ساذجةٌ، وباطن مساوٍ للظاهر، رحَّالة الوقت، وفائدة العصر تفنُّنًا وإمتاعًا، مبرَّزًا في فنون من القراءات والحفظ ومعرفة العروض، مضلَّعًا في صناعة الحديث والتاريخ، مستكثِرًا من الرواية، مشارِكًا في أصول الفقه وفروعه وعلم البيان وصناعة المنطق، معدودًا من رجال التَّصوُّف أُولي الأحوال والمقامات، جَمَّاعًا للدواوين، متبحِّرًا في معرفة أسماء الكتب، كلفًا بالمطالعة، ريَّانًا من الأدب، شاعرًا مفلقًا مطبوع الأغراض، حلو المقاصد، سهل النظم، غريب النثر، يغرف من بحرٍ وينحت من طَود، فارس المنابر، خطيب المحافل، طيِّب النغمة بالقرآن، كثير الشفقة، سريع الدمعة، قرأ القرآن بالسبع على الأستاذ أبي الحسن ابن أبي العيش، وبين يديه نشأ وتأدَّب ... إلى أن قال: وممَّن قرأ عليه الأستاذ العالم الشهير أبو عبد الله بن خميس الجحدريُّ، أخذ عنه كثيرًا من شعره وكتبًا منها: «الموطَّأ» و «المقامات» وقرأ عليه جملة من كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه قال: وسمع عن الغافقيِّ «الموطَّأ» و «البُخاريَّ» بين سماعٍ وقراءةٍ وتفقُّهٍ، و «سنن الترمذي» وقرأ عليه «كتاب سيبوبه» ، وقرأ على ابن الشاط «الإشارة الباجيَّة» و «برهان أبي المعالي» و «تنقيح القرافيِّ» و «مقدِّمة المستصفى» ... إلى أن قال: وقرأ على عدَّة مشايخ يطول ذكرهم.

ومنهم: أبو الحسن الصغير وأبو زيد الجزوليُّ وأبو عليِّ ناصر الدين المشداليُّ شرحه على «المدوَّنة» .

ومنهم: أبو الحسن بن البنا العدديُّ، وتفقَّه عليه في كثيرٍ من تصانيفه، وله أشياخٌ أجلَّةٌ كثيرون ما عدا من ذكرنا من أهل المشرق والمغرب، وله تآليف أكثرها غير متمَّمة؛ منها: كتاب «قد يكبو الجواد في أربعين غلطة عن أربعين من النقاد» وهو مِن نوع تصحيف الحافظ الدارقطنيِّ، ومنها: «سلوة الخاطر فيما أشكل من نسبة النسب الرتب إلى الذاكر» ، ومنها: كتاب «خطر فنظر ونظر فخطر على تنبيهات على وثائق ابن الفتوح» ، ومنها: «عرائس بنات الخواطر المجلوَّة عن منصَّات المنابر» يحتوي على فصول الخطب، ومنها: «تآليف في أسماء الكتب والتعريف بمن ألَّفها» على

ص 145

حروف المعجم، ومنها: «ما اتَّفق لأبي البركات فيما يشبه الكرامات» ، ومنها: «المرجع بالدرك، على من أنكر وقوع المشترك» ، ومنها: «الفصول والأبواب في ذكر من أخذ عنِّي من الشيوخ والأتباع والأصحاب» ، ومنها: «الإفصاح فيمن عرف بالأندلس بالصلاح» و «تاريخ المرية» ، ومنها: «المؤتمن على أنباء أبناء الزمن» وكتاب: «ما كثر دوره في مجلس القضاء وما صدر في مجالسه» [ومنها: الغلسيَّات] في الكلام على «صحيح مسلم» في التغليس.

وممَّا يدلُّ على كثرة حفظه، واتِّساع علمه ما ذكره في «نفح الطيب» ونصُّه: وقال بعض الشيوخ: كنت عند أبي أقرأ على الشيخ أبي البركات التفسير، فنسيت ذات ليلة السفر الذي كنت أقرأ فيه بمنزلي، فاتَّفق أن حضر «الجامع الصحيح» للبُخاريِّ؛ فقال الشيخ بعد أن أردت القراءة عليه من أوَّله: افتح في أثناء الأوراق، ولا تُعيِّن وما خرج لك من ترجمة لجهة اليمين فاقرأها، ففعلت فإذا غزوة أحد، فقرأت الحديث الأوَّل من الباب؛ وهو عن عقبة بن عامر قال: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى على قتلى أُحد بعد ثمان سنين كالمودِّع للأحياء والأموات، ثمَّ طلع المنبر فقال: «إنِّي بين أيديكم فَرَطٌ، وأنا شهيدٌ عليكم، وإنَّ موعدكم الحوض، وإنِّي لأنظر إليه من مقامي هذا، وإنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكنِّي أخشى عليكم الدنيا أنْ تَنَافسوا فيها» قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال الشيخ: قوله: «صلَّى على قتلى أحد» لفظ الصلاة تطلق لغةً: على الدعاء، وشرعًا: على الأفعال المخصوصة المعلومة، وإذا دار اللَّفظ بين الشرعيِّ واللُّغويِّ، فحَمْلُه على الشرعيِّ أَوْلَى حتَّى يدلَّ الدليل على خلافه، فقوله: «صلَّى على قتلى أحد» يحتمل الصَّلاة الشرعيَّة ويكون ذلك منسوخًا إذ قد تقرَّر أنَّه لا يصلَّ على شهيد المعترك.

ولمن يُعَارِضُه أن يقول: إنَّ قتلى أُحد متفرِّقون في أماكن، فلا تتأتَّى الصَّلاة الشرعيَّة عليهم، إذ الصَّلاة الشَّرعيَّة إنَّما تتأتَّى لو كانوا مجتمعين.

والجواب: أنَّهم وإنْ كانوا متفرِّقين تجمعهم جهةٌ واحدةٌ، وليس بُعد ما بينهم بحيث لا تتأتَّى معه الصَّلاة عليهم، هذا وإن احتمل

ص 146

حمله على الصَّلاة اللُّغويَّة.

وقوله: «كالمودِّع للأحياء والأموات» أمَّا وداعه للأحياء فلا إشكال فيه، وأمَّا الأموات فمعنى وداعه لهم وداع الدعاء لهم؛ لأنَّه إذا مات فقد حيل بينه وبين الدعاء لهم، فلا جرم يودِّعهم بالدعاء لهم قبل أن يُحال بينه وبين ذلك.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنِّي بين أيديكم فرط» أي: متقدِّم، و «بين» إذا أضيفت إلى الأيدي؛ تستعمل فيما قبل زمانك وفيما بعده، والمعنى هنا في قوله: «بين أيديكم» أي: متقدِّمٌ قبلكم.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وأنا شهيد عليكم» فيه وجهان:

أحدهما: أنْ يخلق الله فيه علمًا ضروريًّا يميِّز به بين البرِّ والفاجر، فيشهد بما خلق الله في قلبه من ذلك، إذ لا تكون الشهادة إلَّا على أمر مشاهَدٍ، ومعلومٌ أنَّه لم يشاهد ما فُعِلَ بعده من أمَّته، فيخلق له الله علمًا بذلك.

الوجه الثاني: أن يخبره الله تعالى بذلك؛ كما في حديث الحوض: «وليُذَادنَّ عنه أقوامٌ؛ كما يُذَاد البعير الضالُّ فأقول: اللَّهمَّ اللَّهمَّ، فيقال: إنَّهم قد غيَّروا بعدك، فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا» فيشهد بما أخبره الله به، وهو نظيرُ ما روي في تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] أي: قوم نوح يقولون: كيف تشهدون علينا وزمانكم متأخِّرٌ عن زماننا؟ فيقولون: لأنَّ الله تعالى قصَّ علينا أخباركم في كتابه فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح:1] .

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ موعدكم الحوض، وإنِّي لأنظر إليه من مقامي هذا» نظره صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الحوض فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون نظره إليه بقلبه، إذ كان قد أطلعه عليه ليلة الإسراء، فصار مرتسمًا في قلبه؛ كما يرتسم في قلب أحدنا شكل بيته، وما فيه من المتاع والثياب وغير ذلك.

والثاني: أن يكون الله تعالى قد كشف له عنه، فيكون نظره إليه مشاهدة بعينه.

وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وإنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا» إن قيل: كيف قال ذلك وقد ارتدَّ عن الإسلام مَن ارتدَّ من العرب بعدَه؟

فالجواب: أنَّه إنَّما خاطب بذلك مَن لم

ص 147

يشرك من أصحابه ومَن بعدهم من التَّابعين وغيرهم، ولم يراعِ رعاع النَّاس وجُهَّالهم إذ لا اعتبار بهم؛ لاحتقارهم.

وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «ولكنِّي أخشى عليكم الدنيا أن تَنَافسوها» وقد وقع ما خشي منه عليه الصَّلاة والسَّلام من المنافسة في الدنيا فكان كما ذكر صلَّى الله عليه وسلَّم.

وحدَّث الشيخ أبو البركات قال: كنت ببجاية بمجلس الإمام ناصر الدين المشداليِّ أيَّام قراءتي عليه، وقد أفاض طلبة مجلسه بين يديه: هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟ فقلت: الدليل لأنَّ الملائكة أفضل؛ أنَّ الله أمرهم بالسجود لآدم، قال: فجعل الطلبة ينظر بعضهم إلى بعض حتَّى قال لي بعضهم: استند يا سيِّدنا _ كأنَّه يقول له: استند إلى حائط؛ ليزول هوس رأسك _ وكانت عبارتهم في ذلك، وكلٌّ منهم يقول لي نحو ذلك إزراءً، وقال لي الإمام ناصر الدين: أبصر، فإنَّهم يقولون لك الحقَّ _ وكانت لغته أن يقول: أبصر _ قال: فقلت: أتقولون إنَّ أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر ابتلاء واختبار؟ قالوا: نعم، قلت: أفيختبر العبد بتقبيل يدِّ سيِّده ليرى تواضعه؟ قالوا: لا، فإنَّ ذلك من شأن العبد دون أن يؤمر، بل السيِّد يختبر تواضعه بأن يؤمر بالسجود للعبد، قلت: فكذا الملائكة لو أمرت بالسجود لأفضل منها؛ لكان بمنزلة أمر العبد بالسجود لسيِّده، قال: فكأنَّما ألقمتهم حجرًا.

قال الشيخ أبو البركات: وهذه كحكاية أبي بكر بن الطيِّب مع رؤساء المعتزلة، فقال له رئيسهم: ما الدليل أيُّها القاضي على جواز رؤية الله تعالى؟ قال: قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:103] فنظر بعض المعتزلة إلى بعض وقالوا: جُنَّ القاضي _ وذلك أنَّ هذه الآية هي معظم ما احتجُّوا به على مذهبهم _ وهو ساكتٌ، ثم قال لهم: أتقولون إنَّ من لسان العرب قولك: (الحائط لا يبصر) ؟ قالوا: لا، قال: أتقولون إنَّ من لسان العرب: (الحجر لا يأكل) ؟ قالوا: لا، قال: فلا يصحُّ إذن نفيُ الصفة إلَّا عمَّا مِن شأنه صِحَّة إثباتها له؟ قالوا: نعم، قال: فكذا قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} لولا جواز إدراك الأبصار له لم يصحَّ نفيه عنه، فأذعنوا لما قال واستحسنوه.

أقول: في كلٍّ مِن قوله وقول أبي الطيِّب بحثٌ مذكورٌ

ص 148

في محلِّه.

وحكى ابن خاتمة _ وليس في «نفح الطيب» _ قال: قدم إلينا طعام بجنان الوزير الجليل رئيس الكتَّاب أبي عبد الله محمَّد ابن الخطيب بعين الدمع خارج حضرة غرناطة، ونحن يومئذٍ ثلاثة نفرٍ؛ أنا، وشيخُنا القاضي الخطيب أبو البركات ابن الحاجِّ، والقاضي الأستاذ الفاضل أبو جعفر ابن عبد الحقِّ المالقيُّ، فدعونا الخطيب أبا البركات إلى الطعام، فتخلَّف؛ لعذر الصيام، فلمَّا فرغنا؛ أنشدته:

~دَعَوْنا أبا الخطيب أبا البركات لأكل طعام الوزير الأجلْ

~وقد ضمَّنا في نَداه جِنَانٌ به احتفَلَ الحُسْنُ حتَّى كَمُلْ

~فأعرضَ عنَّا لعُذرِ الصيامِ وما كلُّ عذْرٍ لَهُ مُسْتَقَلْ

~فإنَّ الجِنانَ محلُّ الجَزَاءِ وليس الجِنانُ محلَّ العَمَلْ

فقال شيخنا القاضي أبو البركات: لو أنشدتنيها والطعام حاضرٌ؛ لأكلت معكم؛ إظهارًا للطلب واسترسالًا مع أريحية الأدب.

وفي «عين الدمع» يقول أبو البركات كما في «نفح الطيب» :

أَلا خَلِّ دَمَْ العينِ يَهْمِي بمقلتي لفرقة عَيْن الدَّمعِ وقفًا على الدَّمِ

~فللماء فيه رنَّة شَجنِيَّةٍ كرنَّة مَسْلوبِ الفؤاد متيَّم

~وللطير فيه نغمة موصليَّة تذكِّرني عهدَ الصبا المتقدِّم

~وللحسن أقمارٌ به يوسفيَّة تَردُّ إلى دِيرِ الهوى كلَّ مسلم

وحكى غير واحدٍ؛ منهم البلويُّ: أنَّ القاضي أبا البركات لمَّا عزم على الرحلة إلى المشرق؛ كتب إليه ابن خاتمة بما نصُّه:

~أشمسَ الغرب حقًّا ما سمعنا فإنَّك قد سَئِمت من الإقامهْ

~وإنَّك قد عَزمتَ على طلوع إلى شرق سَمَوْتَ به علامهْ

~لقد زلزلتَ منَّا كلَّ قلبٍ بحقِّ الله لا تُقِم القيامهْ

قال الحاكي: فحلف أبو البركات ألَّا يرحل من إقليمٍ فيه من يقول مثل هذا.

يشير بقوله: (لَقَدْ َزْلَزَلْتَ) إلى طلوع الشمس من المغرب.

أقول: كتب الشيخ صالح بن حسين الكواش التونسيُّ على

ص 149

حواشينا على «مختصر سعد الدين» في كلامٍ: غير أنَّه خوَّفنا بطلوع الشمس من المغرب، وكتب عليها عمر بن القاسم المحجوب الشريف من قصيدته:

~يَا أَيُّهَا الفَرْدُ الَّذِي آدَابُهُ ظَهَرَتْظُهُورَ الشَّمْسِ عِنْدَ زَوَالِهَا

~لَكِنَّهَا مُذْ أَشْرَقَتْ مِنْ مَغْرِبٍ قَاَمَتْ قِيَامَةُ مُغْرَمٍ بِمَنَالِهَا

قال في «النفح» : وحكى في «الإحاطة» : أنَّه لمَّا استسقاه وحصلت له الإجابة؛ أنشده لسان الدين:

~ضَمِئَتْ إِلَى السُقْيَا الأَبَاطِحُ وَالرُّبَى حَتَّى دَعَونَا العَامَ عَامًا مُجْدِبَا

~والغَيُثْ مَسْدُولُ الحِجَابِ وَإِنَّمَا عَلِمَ الغَمَامُ قُدُومَكُمْ فَتَأَدَّبَا

قال فيه: ومن بديع نظم الشيخ أبي البركات رحمه الله قوله:

~يَلُومُونَنِي بَعْدَ العِذَارِ عَلَى الهَوَى وَمِثْلِي فِي وَجْدِي لَهُ لَا يُفَنَّدُ

~يَقُولُونَ أَمْسِكْ عَنْهُ قَد ذَهَبَ الصِّبَا وَكَيْفَ أَرَى الإِمْسَاكَ وَالخَيْطُ أَسْوَدُ

أقول: ليس ببديعٍ، بل فيه بحثٌ بديعٌ، وذلك أنَّ الخيط الأسود إنَّما هو ما يمتدُّ مع الخيط الأبيض من غبش آخرِ اللَّيل، وعليه فعند ظهوره يجب الإمساك خلاف، فافهم من أنَّ الخيط الأسود هو اللَّيل، وعليه فلو قال:

~يَلُومُونَنِي بَعْدَ العِذَارِ عَلَى الهَوَى ومن يهو بعد الأمِّ حقًا يُفَنَّد

~يَقُولُونَ أَمْسِك عَنْهُ قَد ذَهَبَ الصِّبَا لقد وجب الإِمْسَاك وَالخَيْطُ أَسْوَدُ

لأصاب في المقال.

قال فيه: وحدَّث القاضي أبو البركات: إنَّه لمَّا أراد الانصراف على سبتة، قال له السيِّد الشريف أبو العبَّاس رحمه الله: متى عزمتَ على الرحيل؟ فأنشد أبو البركات:

~أَمَّا الرَّحِيلُ فَدُوَن بَعْدَ غَدٍ فَمَتَى تَقُولُ الدَّارُ تَجْمَعُنَا

فأنشد الشريف:

~لَا مَرْحَبًا بِغَدٍ وَلَا أَهْلًا بِهِ إِنْ كَانَ تَفْرِيقُ الأَحِبَّةِ فِي غَدِ

وحكى أنَّ السيِّد أبا العبَّاس الشريف المذكور: ساير القاضي أبا البركات في بعض أسفاره زمن الثبات ببرِّ الأندلس _ أعاده الله _ فلمَّا انتهى إلى قرية ترليانة، وأدركهما النَّصب واشتدَّ عليهما حرُّ الهجير؛ نزلا وأكلا

ص 150

من باكر التين الذي هناك، وشربا من ذلك الماء العذب، واستلقى أبو البركات على ظهره تحت شجرةٍ مستظلًّا بظلِّها، ثمَّ التفت إلى السيِّد أبي العبَّاس وقال:

~مَاذَا تَقُولُ فَدَتْكَ النَّفْسُ فِي حَالِي يَفْنَى زَمَانِيَ فِي حَلِّ وَتَرْحَالِ

وأرتج عليه، فقال لأبي العباس أجز، فقال بديهًا:

~كَذَا النُّفُوسُ الَّلوَاتِي العِزُّ يَصْحَبُهَا لَا تَرْتَضِي بِمَقَامٍ دُونَ آمَالِ

~دَعْهَا تَسِرْ فِي القَيافِي وَالقِفَار إِلَى أَنْ تَبْلُغَ السُّؤْلَ أَوْ مَوتًا بِتِجْوَالِ

~المَوْتُ أهونُ مِنْ عَيْشٍ لَدَى زَمَنٍد يُعْلِي اللَّئِيمَ وَيُدْني الأَشْرَفَ العَالِي

وله، وقد جلس في حلقة بعض المشايخ، واستدبر بعض الفضلاء ولم يره بسبتة:

~إِنْ كُنْتُ أَبْصَرْتُكَ لَا أَبْصَرَتْ بَصِيرَتِي فِي الحَقِّ بُرْهَانَهَا

~لَا غَرْوَ أَنِّي لَمْ أُشَاهِدْكُمُ فاَلعَيْنُ لَا تُبْصِرُ إِنْسَانَهَا

وحكى بعضهم أنَّه كان جالسًا في دهليز بيته مع بعض الأصحاب، فدخلت زوجته من الحمام وهي بغير سراويل؛ لقرب الحمام من البيت، فانكشف ساقها، فدخل خلفها مسرعًا، وغاب ساعة، ثمَّ خرج وأنشد:

~كَشَفَتْ عَلَى سَاقٍ لَهَا فَرَأَيْتُهُ مُتَلَأْلِئًا كَالجَوْهَرِ البَرَّاقِ

~لَاَ تَعْجَبُوا أَنْ قَامَ مِنْهُ قِيَامَتِي إِنَّ القِيَامَةَ يَوْمَ كَشْفِ السَّاقِ

ولمَّا أوقع الشيخ أبو البركات على زوجته _ الحرَّة العربيَّة أمِّ العباس عائشة بنت الوزير المرحوم أبي عبد الله محمَّد إبراهيم الكنانيِّ ثمَّ المغيليِّ _ طلقةً؛ كتب نسخة بما نصُّه: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم وصلَّى الله على محمَّد وعلى آل محمَّد، يقول عبد الله _ الراجي رحمتَه _ محمَّد المدعو بأبي البركات ابن الحاجِّ _ خار الله له ولطف به _: إنَّ الله جلَّت قدرته لمَّا أنشأ خلقه على طبائع مختلفة وغرائز شتَّى؛ ففيهم السخيُّ والبخيل والجبان والغبي والفَطِنُ والكيِّس والعاجز والمسامح والمناقش والمتكبِّر والمتواضع إلى غير ذلك من الصفات المعروفة من الخلق؛ كانت العشرة لا تستمر بينهم إلَّا بأحد أمرين: إمَّا بالاشتراك في الصفات أو في بعضها، وإمَّا بصبر أحدهما على صاحبه إذا عدم الاشتراك، ولمَّا علم الشارع أن بني آدم على هذا الوضع؛ شرع لهم الطلاق؛ ليستريح من عيل صبره

ص 151

على صاحبه؛ توسعةً عليهم، وإحسانًا منه إليهم، فلأجل العمل على هذا طلق كاتب هذا _ عبد الله محمَّد المذكور _ زوجه فلانة بنت فلان طلقةً واحدةً، ملَّكها أمر نفسها دونه عارفًا قدره، قصد بذلك راحتها من عشرته؛ طالبًا من الله أنْ يغني كلًّا من سعته.

قال في «النفح» عن صاحب «الإحاطة» حاكيًا عن أبي البركات ما صورته: وممَّا نظمته وأكثروا من التَّعجب لملازمتي البناء وحفر الآبار، وذكر قصيدةَ منها:

~مَنْ عَذِيري مِنْ لَائِمٍ فِي بِنَائِي وَهُوَ لِي التُّرْجُمَانُ عَنْ أَخْبَارِي

يقول فيها أقتدي بكذا وبكذا ... إلى أنْ قال:

~وَبِمَنْ قَدْ مَضَى مَنْ آبَائِي الغُرِّ الأُلَى شَيَّدُوا رَفِيعَ المَنَارِ

~قَدْ بَنِينَا مِنَ المَسَاجِدِ دَهْرًا ثُمَّ نَبْنِي لِجَارِهَا خَيْرَ جَارِ

~مِثْلَ مَا بَنِيتُ لِلْمَجْدِ أَمْثَا لَ مَبَانِيهِمُ بِكُلِّ اعْتِبَارِ

~فَالمَبَانِي لِسَانَ حَالِي وَلِيَ فِيهَا لَعُمْرِي ذِكْرٌ مِنَ الأَذكَارِ

~رُوحُ أَعْمَالِنَا المقَاصِدُ لَكِن حَيْثُ تَخْفَى تَخْفَى مَعَ الأَعْذَارِ

انظرها بكمالها فيه إن شئت.

قال: ونقلت ممَّن رأى كلام ابن الصبَّاغ في (ترجمة أبي البركات) ما نصُّه: لمَّا ورد مدينة فاس في غرض الهناء والعزاء على أمير المؤمنين أبي بكر السعيد ابن أمير المؤمنين أبي عنان، وأبصر الدار غاصَّةً بأرباب الدولة الفاسيَّة، ولم يعدم منها عدا شخصه والولد على أريكة أبيه؛ أنشد:

~لَمَّا تبدَّلَتِ المَجَالِسُ أَوْجُهًا غَيْرَ الَّذِينَ عَهِدْتُ مِنْ جُلَسَائِهَا

~وَرَأَيْتُهَا مَحْفُوفَةً بِسِوَى الأُلى كَانُوا حُمَاةَ صُدُورهَا وَبِنَائِهَا

~أَنْشَدْتُ بَيْتًا سَائِرًا مُتَقَدِّمًا وَالعَيْنُ قَدْ شَرِقَتْ بِجَارِي مَائِهَا

~أَمَّا القِبَابُ فَإِنَّها كَقِبَابِهِم وَأَرَى نِسَاءَ الحَيِّ غَيْرَ نِسَائِهَا

قال: وتوفِّي الشيخ أبو البركات المذكور بشوَّال سنة إحدى وسبعين وسبع مئة، وقال السودانيُّ في «كفاية المحتاج» : قال الحضرميُّ في شيخنا: كان فقيهًا، جليلًا، أستاذًا،

ص 152

خطيبًا، بليغًا، قاضيًا، عَدْلًا، متفنِّنًا، عالمًا، صالحًا، فاضلًا، عماد الدِّين، قاضي القضاة، عَلَم الرِّواية، وفخر الولاية، إمامًا، خاشعًا، أصيلًا، شهيرًا، معظَّمًا، وقال ابن خلدون: شيخنا شيخ المحدِّثين والفقهاء والأدباء والصوفيَّة والخطباء بالأندلس، سيِّد أهل العلم بإطلاقٍ، والمتفنِّن في المعارف والآداب، قال أبو زكريَّاء السَّرَّاج: شيخُنا كان فقيهًا، قاضيًا، أستاذًا، مقرئًا، عالمًا، محدِّثًا، راويةً مكثرًا، محقِّقًا متخلِّقًا سليل العلماء ونتيجة الأولياء، ابن الفقيه الجليل الصَّالح الزاهد أبي بكر ابن الأستاذ المحدِّث الراوية المتبرَّك به أبي إسحاق، كان محدِّثًا، حافظًا، متفنِّنًا، صوفيًّا، حسن التلاوة والمجالسة مع خشوعٍ وبكاءٍ، صدرًا في عدول القضاة وأئمَّة الراوية من ذوي الأحساب والبيوت الرفيعة، رحل في العلم قديمًا وحديثًا، وحصَّل المعقول والمنقول، فطلع شمسًا منيرةً، أخذ عن عمِّه الفقيه المحدِّث أبي القاسم وابن الزبير وابن رشد القاضي ابن فركون وأبي الحسن القيجاطيِّ ... إلى أن قال: والفقيه الصَّالح أبي محمَّد بن أحمد بن خليل السكونيِّ في كثيرين، وله سماعٌ كثيرٌ لم ألقَ في هذه الطريقة مَن هو أكبر منه ولا أعلم في هذا الشأن، قال الحضرميُّ: كان على جلالته وتبحُّره في المعارف شاعرًا مفلقًا، وأديبًا بارعًا، وخطيبًا مصقعًا، له ديوانٌ كبيرٌ أتى فيه بعجب العجاب، وكان مذهبه أنْ لا يخبر بسنِّه ولا مولده، وسمعته ينشد وقد سُئِلَ عن ذلك:

~اِحْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَبُحْ بِثَلَاثَةٍ سِنٍّ وَمَالٍ إِنْ سُئِلْتَ وَمَذْهَبِ

~فَعَلَى الثَّلَاثَةِ تُبْتَلَى بِثَلَاثَةٍ بِمُكَفِّرٍ وَبِحَاسِدٍ ومُكَذِّبِ

توفِّي على نحو تسعين سنة، كانت جنازته حافلةً وتبعه ثناءٌ حسنٌ، وقال في «الكفاية» أيضًا في (ترجمة الإمام المقَّري) : لمَّا ملك أبو عنان تلمسان؛ رحل معه لفاس، وولَّاه قضاءها، ثمَّ سخطه وعزله، ثمَّ بعثه رسولًا للأندلس، فأبى من الرجوع، فأنكره على صلب

ص 153

الأندلس وبعث فيه، فتشفَّع فيه صاحب الأندلس، وأوفده مع جماعة شيوخ العلم؛ منهم: القاضيان شيخ الدنيا جلالةً وعلمًا ورياسة أبو القاسم الشريف السبتيُّ، وشيخ المحدِّثين والفقهاء والأدباء والصوفيَّة والخطباء سيِّد العلماء بإطلاقٍ أبو البركات ابن الحاجِّ، فوفدوا به على السلطان شافعين على عظيم تشرُّفه للقائهما، فنجحت الشفاعة، وكان يومًا مشهودًا.

ولا بُدَّ حيث قلنا واحد أنجم من بعض التعريف بآبائه الأربع المذكورين في التعريف مختصرًا غايةً، ومقتصرًا نهايةً، أمَّا والده محمَّد: فهو كما هو في «الإحاطة» ناقلًا من جزءٍ فيه لولده أبي البركات فيه نحو سبعينَ ورقة، نشأ بسبتة على طهارةٍ تامَّةٍ وعفَّةٍ بالغةٍ، قرأ القرآن بالقراءات السبع، ثمَّ تاقت نفسه إلى الاعتلاق بالعروة الوُثْقَى التي اعتلق بها سلفُه، فنبذ الدنيا وأقبل على الآخرة، ولبس الخشن وترك مجالسة الخلق بالجملة سنين، ثمَّ سافر إلى المغرب سائحًا في الأرض على زيِّ الفقهاء؛ للقاء الأعلام، فأحرز من ذلك ما شاء، ثمَّ أجاز البحر إلى جزيرة الأندلس، وورد المرية مستقرَّ أسلافه، فكان على ما تلقَّيناه من أصحابه وخدَّامه صوَّامًا، قوَّامًا، خاشعًا، ذاكرًا، تاليًا للكتاب، قوَّالًا للحقِّ، وإن كان مُرًّا كبيرًا في إسقاط التَّصنُّع والمباهاة لا يضاهى في ذلك، ولا يشق غباره، قدم غرناطة، ودخل على أمير المسلمين، وقال له الوزير: يقول لك السلطان: ما حاجتك؟ فقال: بهذا الرسم رحلت، ثمَّ ظهر لي أن أنزل حاجتي بالله فعارٌ على مَن انتسب إليه أن يقصد غيره، ثمَّ أجاز البحر وقد اشتدت أحوال أهل الأندلس؛ بسبب عدوهم، ثمَّ قدم على ملك المغرب، ووعظَه موعظةً عنَّف عليه فيها، فانفعل لموعظته، وأجاز البحر من سبتة إلى جزيرة الأندلس، وغزا وأقام بها ما شاء الله، قال: وأُخبرِتُ أنَّ السلطان يوسف المستنصر ملك المغرب قال: كلُّ رجلٍ صالحٍ دخل عليَّ كانت ترعد

ص 154

يدُه في يدي إلَّا هذا الرجل كانت يدي ترعد في يده.

كراماته؛ منها: ما حدَّثني به الشيخ المعلِّم الثقة أبو محمَّد قاسم الحصَّار وكان من الملازمين له المنقطعين إلى خدمته والسفر معه إلى البادية، إنِّي لأحفظ لأبيك أشياء منها ما أذكره، ومنها ما لا أستطيع أن أذكره، ثمَّ قال: حدَّثني أهل وادي الزرجون من أعمال سبتة قالوا: انصرف الشيخ أبو عبد الله من هنا، فلمَّا استقرَّ في رأس العقبة المشرفة على الوادي؛ صاح أهل القرى إذ كانوا رأوا أسدًا كبيرًا جدًّا قد تعرَّض في الطريق، ما نجا قطُّ مَن صادف مثلَه، فلمَّا سمع الصِيَاح؛ قال: ما هذا؟ قالوا: أهل القرى يصيحون عليك خوفًا من الأسد، قال: فأعرض عنهم، وأخذ في الطريق حتَّى وصل إلى الأسد، فأشار عليه من ههنا أخرج عن الطريق، وأشار عليه بقضيبٍ، فخرج بإذن الله عن الطريق ولم يوجد هنالك بعد، وأمثال ذلك كثيرٌ.

قرأ على الأستاذ أبي الحسن ابن أبي الربيع القرشيِّ، وأجازه والده أبو إسحاق عامَّةً، وعُدَّ جملةً وافرةً من شيوخه؛ ومنهم: القاضي أبو عبد الله بن عياض، وأبو يحيى بن عبد الرحمن بن الفرس، نمى إلى السلطان بالأندلس أنَّه أغرى به ملك المغرب فحبسه وانتهب ماله، واستمرَّ ذلك إلى دولة ولده فعَجَّلَ الله عقوبتهم، مولدهُ: بسبتة في ذي القَعدة سنة ستٍّ وأربعين وستِّ مئة، ووفاته: في العشر الأواخر من رمضان عام أربع وتسعين وستِّ مئة، ودفن بمقبرة قبر ريحان العبد الأسود.

وأمَّا جدُّه إبراهيم فقد تقدَّم بعض ذكره، وفي «الطبقات الصغرى» للسيوطيِّ: قال ابن عساكر: كان أديبًا، نحويًّا، قارئًا، متفنِّنًا، ذاكرًا للتاريخ، له حظٌّ وافرٌ من الفقه، فاضلًا، ورعًا، زاهدًا، مِن أجلَّة علمائهم وفضائلهم، لازم الدبَّاج، وأقرأ بسبتة القرآن والعربيَّة، وروى عن أبي القاسم بن الطيلسان وأبي جعفر الفحَّام وغيرهم، ورحل

ص 155

وحجَّ ومات بمصر سنة إحدى وستِّين وستِّ مئة وعمره نحوٌ من خمسين سنة.

وأمَّا جدُّ أبيه محمَّد فهو المذكور في «نفح الطيب» : وأنَّه مرَّ بأبيه إبراهيم في مراكش، فقال ممَّن حدث عنه: رأيتُ هذا والله ما أدري أنَّ لي ابنًا حتَّى يمرَّ بي، ولا أذكُره إذا غاب عني، ولا أرى إلَّا الله، وهو الذي كتب إليه أيَّام قراءته بإشبيلية:

~إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْظَى بِوَصْلي وَقُرْبَتِي فَجَنِّبْ قَرِيَن السُّوءِ واصْرِمْ حِبَالَهُ

~وَسَابِقْ إِلى الخَيْرَاتِ وَاسلُكْ سَبِيلها وَحَصِّلْ عُلُومَ الدِّين واعْرِفْ رِجَالَهُ

وأمَّا جدُّه إبراهيم فهو الذي مدَّ فيه النفس في «أزهار الرياض» وذكره في «نفح الطيب» فقال: وكان القاضي أبو البركات مِن بيتٍ كبيرٍ علمًا وصلاحًا وزهدًا، وجدُّه _أي: جدُّ الإمام الوليِّ العارف سيِّدي أبو إسحاق _ أشهر من نارٍ على عَلَم، وقبره مشهور بمراكش وقد زرته بها، وله كراماتٌ مشهورةٌ، ومن شعره:

~أَلَا كَرَّمَ اللهُ البِلَادَ بِفِتْيَةٍ هُمْ حَسَنَاتُ الدَّهْرِ لَا نَابَهُمْ خَطْبُ

~رِعَايتُهُمْ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم وَحُبُّهُمُ حُقٌّ قَدْ أَوْجَبَهُ الرَّبُّ

~إِذَا مَا سَأَلْتَ اللهَ شَيْئًا فَاسْأَل بِهِمْ فَتَعْظِيمُهُمْ قُرْبٌ وَغِيبَتُهُمْ حَرْبُ

ومن مآثره: أنَّه بنى ثمانية عشر جبًّا في مواضع متفرِّقةٍ، ونحو عشرين مسجدًا، وبنى أكثر سور حصن بلفيق كلُّ ذلك من ماله، وقال رضي الله عنه في بعض رسائله: الصوفيُّ عبارةٌ عن رجلٍ تقيٍّ صالحٍ زاهدٍ، غير متسبِّب بسببٍ من الأسباب، ولا مخلٍّ بأدبٍ من الآداب، قد عرف شأنه وزمانه، وملكت مكارم الأخلاق عنانه، لا ينتصر لنفسه، ولا يتفكَّر في غَدِه، وأنَّ العلم خليله، والقرآن دليله، والحقَّ حفيظه ووكيله، ونظره إلى الخلق بالرحمة، ونظره إلى نفسه بالحذر والتهمة، ولولا ذكر هؤلاء استطرادًا؛ لأطلقنا فيهم القلم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت