فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 65

~يُحَدِّثُ عَنْ سُقَّيْنٍ العَاصِمِيِّ مَنْ بَدَا وَهْوَ كَفٌّ لِلْحَدِيثِ وَمِعْصَمُ

قال السودانيُّ في «ذيل الديباج» : عبد الرحمن بن عليِّ بن أحمد القصريُّ ثمَّ الفاسيُّ السفيانيُّ العاصميِّ عُرِفَ بسُقَّين.

قال أبو محمَّد: قال الشيخ المنجور في «فهرسته» : هو شيخنا الشيخ الفقيه الأستاذ المحدِّث المسند المحقِّق الحاجُّ الرحَّال الخطيب، أخذ عن شيخ الجماعة ابن غازيَّ والشيخ أحمد زروق وغيرهما، وأدرك فلانًا وفلانًا، ثمَّ ارتحل للمشرق سنة تسع وتسع مئة، فدخل بلاد السودان ولقي القلقشنديَّ وغيره من أصحاب الحافظ ابن حجر، وبقي هناك زمنًا طويلًا؛ لأخذ الحديث وضبطه، فحصل له علمٌ كثيرٌ وروايةٌ واسعةٌ لم تحصل لغيره من الفاسيِّين، ثمَّ رجع إلى فاس ثمَّ آب منها إلى بلد السودان، ودخل مدينة كنو وغيرها، وعظَّموه وأعطوه مالًا جزيلًا، وذكر عن نفسه: أنَّه افتضَّ هناك من الجواري المهداة ما يقرب من مئة جاريةٍ، وبقي عندهم زمنًا، ثمَّ رجع إلى فاس سنة أربع وعشرين، فتولَّى خطابة جامع الأندلس بعد وفاة المفتي أبي العبَّاس الزقَّاق، ثمَّ الفتوى بعد موت الفقيه محمَّد بن محمَّد الإمام القوريِّ نحو ثلاث سنين، ثمَّ عُزِلَ عنها وتولَّاها عليُّ بن هارون، فأكبَّ صاحب التَّرجمة على رواية الحديث وإقرائه إلى أنْ توفِّي سنة ستٍّ وخمسين عن سنٍّ عاليةٍ نحو التسعين، وأخذ عنه الحديث كثيرٌ؛ كاليَسِيتَنيِّ وعبد الواهب الزقَّاق؛ لسعة روايته وتحقيقه، ثمَّ انقطع فنُّ الحديث بموته، لازم في حياته إقراء «العمدة» و «الموطَّأ» بجامع الأندلس مع التفسير ورواية الكتب الستَّة، أخذت عنه المصافحة والمشابكة، وكانت صلاته موجزةً في تمامٍ، لا يطوِّل في خُطَبِهِ، وما رأيت أحلى ولا أرقَّ من خطبه! وقيَّد بخطِّه من فوائد الحديث والأدب ما لم يقيِّده غيرُه من معاصريه يُشْكِل ويضبطُ ما يحتاج إليه، ويقرب في الإتقان شيخه ابن غازيٍّ، أنفق مالًا كثيرًا في نَسْخِ الكتب مشاركًا في الأدب والطبِّ

ص 138

والتَّصوُّف، يحسن ألفيَّة ابن سينا مع التواضع، يركب الحمار مع أشراف النَّاس ولا يبالي، وكان ينكر على مَن يقرأ (الفاتحة) للنَّاس أو يطلبها ويقول: إنَّها بدعةٌ، ثمَّ قد ورد في حديثٍ أخبرني بذلك عنه الثقة، وأنَّه رآه بعد موته فسأله عنه، فرجع عن الإنكار، وبالجملة هو في ما وصفناه آخر النَّاس بفاس، انتهى كلام المنجور.

قلت: قال الشيخ أحمد زَرُّوق في كتاب «البدع» ما نصُّه: وما اعتاده أهل الحجاز واليمن ومصر ونحوهم من قراءة (الفاتحة) في كلِّ شيء لا أصل له، ولكن قال الغزاليُّ في «الاستبصار» ما نصُّه: فاستنزلْ ما عند ربِّك وخالقك من خيرٍ، واستجلبْ ما تؤمِّله من هدايةٍ وبرٍّ بقراءة السبع المثاني التي أُمرتَ بقراءتها في كلِّ صلاةٍ وأُكِّدَ عليك أنْ تكرِّرها في كلِّ ركعة، وأخبر الصَّادق المصدوق أنَّ ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها من الذخائر، فافهم كلام الشيخ زروق.

قلت: أخرج أبو الشيخ في «الثواب» عن عطاء قال: إذا أردت حاجةً؛ فاقرأ (فاتحة الكتاب) حتَّى تختمها تُقضَى إن شاء الله تعالى، نقله الجلال السيوطيُّ رحمه الله.

قلت: وذكر سيِّدي عبد الوهَّاب الشعرانيُّ في «ذيل طبقاته» كما نقله سيِّدي أحمد بن عبد العزيز الهلاليُّ: أنَّ شخصًا زار سيِّدي عبد الرحمن التاجوريَّ، وسأله أن يقرأ له (الفاتحة) فقال له: هذا لم يَرِدْ فيه شيءٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يقرأها له، فلمَّا سمع بذلك سيِّدي عبد الرحمن؛ قال: الأمر سهلٌ في ذلك، لو قرأها لم يؤاخذه الله عليها، قال الشعرانيُّ: فرأيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال لي: «عليك بالاطِّلاع على أقوال إمام هجرتي، والوقوف عندها، فإنَّه شهد آثاري» فعلمت أنَّ توقُّف الشيخ عبد الرحمن عن القراءة لعدم ورود شيءٍ فيها؛ أفضل من الابتداع، ولو استحسنه العلماء، وعلمت أنَّ الإمام مالك رضي الله عنه هو أشدُّ النَّاس اتِّباعًا للسنَّة المحمَّديَّة؛ فلذلك طالعت «المدوَّنة الكبرى» و «الموطَّأ» وحرَّرت منها المسائل التي اختصَّ بها الإمام مالك عن الأئمَّة؛

ص 139

لأقف عندها عملًا بإشارة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

وفي «الرحلة العيَّاشية» لطيفةٌ: أخبرني الأخ في الله المحبُّ المخلص سيِّدي عبد الرحمن بن الحسن _ وكان ممَّن ذهب لزيارة سيِّدي عبد الله بن طمطم من أهل الرَّكب _: أنَّه لما خرج لوداعهم؛ قرأ لهم «فاتحة» وبالغ في رفع يديه، فلمَّا فرغ منها؛ قال له رجلٌ آخرُ مِن الحُجَّاج: يا سيِّدي؛ اقرأ لي «فاتحة» ، فانتهره، فقال له: أما علمت أنَّ «فاتحة الكتاب» لِما قُرِئَت له، وأنَّها السبع المثاني والقرآن العظيم، فهلَّا نويت حاجتك عند شروعنا في قراءة «الفاتحة» ؟! فإنَّ فاتحةً واحدةً تكفي أهل السموات والأرض، وقد صدق في ذلك رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت