فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 65

قال شارح «الاكتفاء» في «فهرسة» شيخه: هذا شيخنا الحافظ، الجامع، الزاهد، الخاشع، ألينُ أهل زمانه عطفًا وأشدُّهم خوفًا، مقيم رسم المعارف بعد الاعوجاج، سيُّدنا وسندنا أبو الفضل أحمد بن العربيِّ ابن الحاج، كان ممَّن انفرد بعلمَيِ المنقول والمعقول، إلى قدمٍ راسخٍ في الفروع والأصول، آية لله تعالى في التبحُّر في العلم، والتَّصرُّف في دقائقه واستحضار نوازله وغوامضه [ودقائقه] ، مجلسه كثير الفوائد، مليح الحكايات

ص 128

وقضايا التواريخ، ومُلَح الشواهد، يضرب به المثل في الزُّهد والعبادة، وتقف عند كلامه الفتوى في الأذكار والإرادة، مقبلٌ على الآخرة، معرضٌ عن الدنيا وزخرفها، نفع الله به كلَّ من قرأ عليه؛ لصلاح نيَّته، وسلامة طويَّته وسيرته في الإقراء على مقتضى ما لابن عرفة من قوله: حقيقة الإقراء تصحيح المتن، وحلُّ المشكل، وإيضاح المقفل، وزيادة أخرى غير ذلك ضررها بالمتعلِّم أقرب من نفعها، مع دينٍ لم تُدَنِّسه المطامع، وحسن خُلُقٍ ما وَقَر مثله في سمع سامعٍ، مع إدمان على تلاوة القرآن، وحسن نغمة بقراءته، واحتساب لله تعالى في أجر سعايته، وخشية وحياء وإيثار، ومواظبة على قيام اللَّيل والنهار، وتبحُّر في القراءات وأحكامها، وبلوغ في علم العربيَّة مبلغًا لم يدانه فيه أحدٌ من أعلامها، مع مشاركةٍ قويَّةٍ في سائر العلوم الشرعيِّة، لم أرَ من يقرِّر الفقه الساذج كتقريره، ولا من يحرِّره كتحريره، وَلِيَ خطَّة القضاء أواخر عمره على رغمٍ منه في طاعة الله تعالى بطاعة أميره بالمدينة البيضاء، فأقام الحقَّ بها ولهج، فحُمِدَت سيرته وغَلَت، والحمد لله قيمته، وارتفع على منار العدل صيته، إلى أنْ توفِّى مبطونًا شهيدًا ضحوةَ يوم الأربعاء أوَّل ربيع الأوَّل سنة تسعٍ بعد مئة وألف.

وعندنا كتاب مولانا إسماعيل له لمَّا قبل خطَّة القضاء، ونصُّه بعد الفاتحة: أمَّا بعد؛ فإنَّه ورد على أبوابنا العليَّة بالله الرجلُ الصالح السيِّد أحمد بن ناصر بقصد الزيارة، وحين التقينا معه طلبنا منه بذل النصيحة، والدلالة على رجلٍ من أهل الظاهر وسرِّ الباطن، نستعين به على أمر ديننا ودنيانا، وما نحن بصدده من أمور الخلافة، فقال لنا فيما يرويه عن والده: أخبرني والدي سيِّدي أحمد بن ناصر _ رحمه الله _: بأنَّ العارف بالله الفقيه السيِّد أحمد ابن الحاج، القاطن بفاس؛ رجلٌ من بيتٍ كبيرٍ علمًا وصلاحًا وزهدًا، رجلٌ من أهل سرِّ الباطن، متبحِّرًا في العلوم الدينيِّة واللَّدنيَّة، يتولَّى خطَّة القضاء بالمدينة البيضاء، نجلُ الإمام الوليِّ العارفِ الربانيِّ صاحبِ الكرامات أبي إسحاق إبراهيم ابن الحاج البلفيقيِّ السلميِّ دفين مراكش، ينتمي نسبه إلى العبَّاس بن مرداس،

ص 129

وقد كان أخبرني بهذا العلَّامة الهمام السيِّد الحسن اليوسيُّ عن شيخه المذكور، وسمعته من غيرهما، فلاحَ لنا بذلك بأنَّ السرَّ من أصله والدرَّ من معدنه {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] فنحمد الله الذي جعل لنا فيك ما نحبُّه شرفَ العلم، وعلوَّ النسب، فأسهمنا من دعائك الصَّالح في سائر خلواتك وجلواتك، وأبذل لنا النُّصح الواجب عليك، وقد شكرنا لكم صنيعكم كونكم امتثلتم أمرنا وساعدتمونا على توليتكم تلك الخطَّة، وأطعتم الله بطاعتنا، فبارك الله فيكم، ذلك الظنُّ بكم، والمعهود مِن صالح محبَّتكم، فقد كنت مهتمًّا من عدم قبولكم لتلك الخطَّة، ويتغيَّر خاطرنا عليكم، فحين وصلني قبولكم لها، وامتثال أمرنا، سجدتُ لله شكرًا، ووالله ما حملني على توليتكم تلك الخطَّة إلَّا إحياء شعائر الدين من بعد غربته؛ كما قال عليه السَّلام: «بدأ الدِّين غريبًا، وسيعود غريبًا، فطُوبى للغُرَباء» فأنت منهم، وتقرَّرت عندي سيرتك الجميلة، ووُصِفَت لنا أوصافك الحميدة الجليلة التي عَزَّ وجودها في هذا الزمان، فهي التي تدلُّ على علوِّ نسبك وحسبك، ودينك وخصوصيَّتك من بين أهل زمانك، نفعك الله ونفع بك، وأسعدنا بمعرفتك، ونفعنا بمحبَّتك، فقد أُخْبِرتُ بأنَّ أهل الذمَّة _ أخزاهم الله _ أتوك ليلة العيد بما وظَّفناه عليهم من كسوة القاضي التي يخطب بها خطبة العيد، فضربتَ بها وجوههم، وأبيتَ قبولها، فجزاك الله عنَّا خيرًا، بمثلك في هذا الزمان وجوده أعزُّ من الكبريت الأحمر، وأخبرنا خديمنا النَّاظر رضوان بأنَّك امتنعت مِن قبضِ ما كان يقبضه مَن قبلك من الأوقاف، وإنَّما قبلت من ذلك شطره ... إلى أن قال: آمُر باحترامِ دارك، وقرابتك، ومن له أدنى انتسابٍ إليك، فدارك جعلناها حرمًا وزاويةً، فمن لاذَ بها واحترمَ؛ فعليه أمن الله وأمننا ... إلخ.

ولما عرف الفقيه العالم الضابط أبو العبَّاس سيِّدي أحمد بن عبد الوهَّاب الوزير الغسانيُّ بالإمام العلَّامة سيِّدي محمَّد بن أحمد المسناويِّ البكريِّ الدلائيِّ، وعن جماعةٍ من أشياخه قال: ومنهم العلَّامة المشارك الحاجُّ سيِّدي أحمد بن العربيِّ ابن الحاجِّ: كان عالمًا، عاملًا، وَلِيَ القضاء بفاس الجديد، وبعد وفاته وجد ما كان يقبض من الأحباس موفرًا، أوصى به أنْ يردَّ إلى محلِّه ولم يتلبَّس بشيء منه؛ اقتداء بسيِّد العارفين بالله سيِّدي محمَّد بن عباد قال: حدَّثني

ص 130

شيخنا العالم الأستاذ الحافظ المحدِّث سيِّدي عبد الرحمن ابن الفقيه العالم سيِّدي أبي القاسم ابن القاضي: أنَّه لما مات ابن عباد؛ وجد ما كان يتحصَّل بيده من أحباس الإمامة والخطابة بجامع القرويِّين مجموعًا، أوصى به أنْ يردَّ إلى الأحباس، وقدر ذلك ثمان عشرة ومئة مثقال ذهبًا.

وقال سيِّدي الصغير الأفرانيُّ في «صفوة ما انتشر» : إنَّه كان يقرأ ثلاثين حزبًا _ من (باب المحروق) إلى (باب فاس الجديد) _ ذهابًا وثلاثين إيابًا، وقال: إنَّ السلطان سأله عن لباس الحرير؛ فقال خلاف العلماء: إنَّما هو في خيط النسيج.

وذكر الشريف العالم الصوفيُّ سيِّدي حمدون بن محمَّد الطاهريُّ الحسينيُّ الجوطيُّ في كتابه المسمى بـ «تحفة الإخوان ببعض مناقب شرفاء وازان» لمَّا ذكر مناقب سيِّدي محمَّد بن عبد الله الشريف؛ قال: سأل رجلٌ هذا القطب سيِّدي محمَّد رضي الله عنه فقال: يا سيِّدي؛ أرني القطب؟ فقال له: اذهب إلى فاس، وفي ثلث اللَّيل الأخير اذهب إلى القرويِّين قبل أن تفتح أبوابها، وقابل الباب الذي يغسل النَّاس فيها أقدامهم، فأوَّل من يدخل منها ويتوضَّأ منها ويصلِّي ركعتين؛ فهو هو، فجاء الرجل وصنع ما أُمِرَ به، وجعل يرقب تلك الأبواب، فلمَّا فتحت؛ فأوَّل من دخل منها سيِّدي أحمد ابن الحاجِّ، فتوضَّأ وصلَّى ركعتين، فلمَّا فرغ من الصَّلاة؛ قصده الرجل، فالتفت سيِّدي أحمد المذكور قبل أن يصل إليه ويكلِّمه وقال له: والله الذي لا إله إلا هو؛ إنَّ الذي أرسلك هو القطب، أقسمَ على ذلك ثلاث مرَّاتٍ، قال: قلت: وكلٌّ منهما صادقٌ فيما أخبر به؛ فسيِّدي محمَّد _ نفعنا الله به _ فرَّ من التعريف بنفسه؛ أدبًا من قوله أنا، وأحال السائل على هذا العالم ليعرفه به؛ لكونه عالمًا عاملًا مدرِّسًا، فهو قطبٌ في مجلس علمه وتعليمه، فيصدق عليه اسم القطب لغةً، وسيِّدي أحمد ابن الحاجِّ أخبر السائل عن القطب حقيقةً وعرفًا، وهذه كرامةٌ لسيِّدي أحمد ابن الحاج رحمه الله، وأنَّه من أولياء الله.

وكان الشيخ سيِّدي التاوديُّ بن سودة كثيرًا ما يذكر فوق كرسيِّه: بأنَّ الشيخ سيِّدي أحمد ابن الحاجِّ كان يفسِّر فوق هذا الكرسيِّ قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ} [الحجرات:7] وأنَّ الخطاب خاصٌّ بالصحابة، وكان العارف بالله سيِّدي محمَّد بن عبد الله حاضرًا، فقال: يا شيخ؛ فالتفت فرأى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم

ص 131

حاضرًا، وأذن ذلك بأنَّ الخطاب عامٌّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت