~عَنِ المَطَرِي رِيَاضُهُمْ قَدْ تَبَسَّمَتْ وَمَنْ عَنْهُ يَرْوِي حَقُّهُ يَتَبَسَّمُ
أخذ الثلاثة عن الإمام أبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربريِّ، وفربر بينها وبين بُخارى ثلاث مراحل، ولد سنة 231 هـ، وتوفِّي سنة 321 هـ.
قال الذي بسنده إلى أبي إسحاق المستملي عن محمَّد بن يوسف الفربريِّ أنَّه كان يقول: سمع «كتاب الصحيح» لمحمَّد بن إسماعيل تسعون ألف رجلٍ، فما بقي أحدٌ يروي عنه غيري، انظر «المقدِّمة» .
~عَنِ الفَارِسِيِّ الشَّهْمِ ذِي المَذْهَبِ الَّذِي بَدَا مِنْ كِتَابٍ عَنْهُ يُعْلَى وَيُعْلَمُ
~وَلَمْ يَكُ ذَا تَقْلِيدٍ إِلَّا لِجِيدِنَا بِمَا مِنْ لآلٍ عَنْهُ كَانَتْ تُنَظَّمُ
ص 162
ذكر الشافعيَّة: أنَّ البُخاريِّ كان على مذهبهم.
قال السبكيُّ في «الطبقات» : ذكر أبو عاصم العباديُّ أبا عبد الله البُخاريَّ في كتابه «الطبقات» وقال: سمع من الزعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، وتفقَّه على الحميديِّ، وكلُّهم من أصحاب الشافعيِّ، ولم يروِ عن الشافعيِّ في «الصحيح» ؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشافعيُّ مات مُكتَهلًا، فلا يرويه نازلًا.
أقول: فيه نظرٌ لكلِّ من نظر، لِما نقلوه أنَّه كان غير مقلِّدٍ، ولا بمذهبٍ متقيِّد، وقد بقي مذهبه بعده حينًا، ولو كان على مذهب الشافعيِّ؛ لأكثر من ذكره، وذكر مذهبه، كما لا يخفى على منتبهٍ، وإنَّما ذكر ابن إدريس في «صحيحه» مرَّتين لا ثالث لهما:
الأولى: في (باب الرِّكاز) من (كتاب الزكاة) فقيل: هو عبد الله الأوديُّ الكوفيُّ، ورجَّحه أبو ذرٍّ الهرويُّ، ونقله عنه ابن التين، والذي جزم به أبو زيدٍ المروزيُّ أحد الرواة عن الفربريِّ، وتابعه البيهقيُّ وجمهور الأئمَّة: أنَّه الإمام الشافعيُّ رضي الله عنه.
الثانية: في (باب تفسير العرايا) من (كتاب البيوع) : فرجَّح ابن التين أنَّه الأوديُّ، وتردَّد في ذلك ابن بطَّال، ثمَّ السبكيُّ في «شرح المهذَّب» وجزم المزِّيُّ والسبكيُّ في «الطبقات» بأنَّه الشافعيُّ، ويوضِّح قول السبكيِّ _ ولم يروِ ما في أجوبة وليِّ الدين العراقيِّ لمَّا سُئِلَ: لِمَ لَمْ يخرج الشيخان حديث الشافعيِّ في الصحيح مع جلالته؟ _ ما نصُّه.
الجواب: أنَّ الشيخين لم يسمعا منه، أمَّا مسلمٌ فلم يدركه أصلًا، وأمَّا البُخاريُّ فأدركه ولكن لم يلقه، وكان صغيرًا، مع أنَّهما أدركا من هو أقدم منه وأعلى رواية، فلو أخرجا حديثه؛ لأخرجاه بواسطة بينهما وبينه، مع أنَّ تلك الأحاديث قد سمعاها ممَّن هو في درجته، فروايتهما عن غيره أعلى بدرجة وأكثر، والعلوُّ أمرٌ مقصودٌ عند المحدِّثين، ثمَّ قال: وإنما لم يعلُ إسناد الشافعيِّ جدًّا؛ لعدم تأخُّر وفاته، وقلَّة تعميره، فتأخَّر جماعةٌ يساوونه في الإسناد بعده بكثيرٍ.
هذا وقد قال القاضي عياض في «المدارك» _ بعد أنْ ذكر أنَّ يحيى بن معين أكثر القول فيه وأساءه، وكذا غيره كعليِّ بن المدينيِّ ومحمَّد بن عبد الحكم _ ما نصُّه: وأرى لأجل كلام يحيى وأولئك ترك أهل الصحيح حديثه، فلم يُدخِلوا في كتبهم منه
ص 163
حرفًا، وكيفما كان فلا خلاف في إمامته في الفقه، وإنما ضَعَّفَ حديثه روايتُه عن الضعفاء؛ كما قال محمَّد: إنَّ عبد الحكم يروي عن الخدَّاعين والبدعيِّين، وإلَّا فهو في نفسه بريءٌ من ذلك، وقد ألَّف الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب كتاب الحجَّة الشافعي، وأثبته في إمامته واشتهرت عدالته، لا يقبل قول أحد فيه لا سيَّما المعاصر له، انظره تتمَّة.
كذا الإمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه ليس للبُخاريِّ في «صحيحه» رواية عنه إلَّا في موضعين، قال ابن حجر في (كتاب النكاح) : وكأنَّه لم يكثر عنه؛ لأنَّه في رحلته القديمة لقي كثيرًا من مشايخ أحمد، فاستغنى بهم في رحلته الأخيرة، فكان أحمد قد قطع الحديث، فكان لا يحدِّث إلَّا نادرًا، فمِن ثَمَّ أكثر البُخاريُّ عن عليِّ بن المدينيِّ دون أحمد _ أي: مع أنَّه من طبقته _، وأمَّا أبو حنيفة فلم يسمِّه باسمه، وإنَّما يقول: وقال بعض النَّاس.
والإمام مالك كان شديد التحرِّي فيمن يأخذ عنه، وقال: (إنَّ هذا دين، فانظروا عمَّن تأخذونه) وقال: (أدركت سبعين ممَّن يقول: «قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» عند هذه الأساطين _ وأشار إلى المسجد _ ما أخذت عنهم شيئًا، وإنَّ أحدهم لو ائتُمِنَ على بيت مالٍ؛ لكان أمينًا، إلَّا أنَّهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن) قال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا أجود أخذًا للعلم من مالك، وما كان أشدَّ إسنادًا للرجال والعلماء منه.
~عَنَ أشْيَاخِهِ رَوَى وَهُمْ فَرَطٌ بَدَوْا وَكُلٌّ مُهَدًّى فِي الثِّقَاتِ مُتَرْجَمُ
عدد مشايخه الذين خرَّج عنهم فيه: مئتان وسبعة وثمانون، وإليهم رمز بقوله: (فَرَطٌ) .
~وَطِيبًا ثُلَاثِيَاتُهُ قَدْ تَضَوَّعَتْ بِهِ وَبِهَا ثَوْبُ الكِتَابِ مُسَهَّمُ
وقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، وللناس بها اعتناء تامٌّ، وإليها رمز بقوله: (طِيبًا) .
~وَكَمْ سَنَدٍ عَالٍ بِهِ وَهْوَ نَازِلٌ وَآخَرَ عَكْسِهِ بَدَا يَتَقَدَّمُ
ولذلك تجد في بعض التراجم الجمع بين السند العالي والنازل.
~وَكَمْ مِنْ أَسَانِيدٍ عَلَتْ بِمُتَابَعٍ عَلَى قَدَمٍ لَهَا مَجِيءٌ فَيُحْكَمُ
ص 164
جملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاث مئة وأربعة وأربعون حديثًا، وإليها رمز بقوله: (عَلَى قَدَمٍ لَهَا مَجِيءٌ) أي: له للمتابع.
~وَفِي سَنَدٍ لَهُ اللَّطَائِفُ تُجْتَنَى يَمُرُّ عَلَيْهَا مُعْرِضٌ لَيْسَ يَفْهَمُ
{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ} [يوسف:105] .
~مُعَلَّقُهُ قَلَائِدٌ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَجْيَادِ أَمْلَاحٍ فَشِمْهَا تَنَظَّمُ
جملة ما فيه من التعاليق ألف وثلاث مئة وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّر مخرَّج في الكتاب أصول متونه، وإليها رمز بقوله: (قَلَائِدٌ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَجْيَادِ أَمْلَاحٍ) و (أَمْلَاح) جمع (مليح) .
~مُكَرَّرُهُ يَزْدَادُ فِيهِ حَلَاوَةً كَأَنَّهُ سَجْعٌ لِلْحَمَامِ تَرَنَّمُ
أي: ترنَّم عدد أحاديثه بدون تكرارٍ ألفان وستُّ مئة وحديثان، وعدد أحاديثه بالمكرِّر سوى المعلَّقات والمتابعات سبعة آلاف _ بموحَّدة _ وثلاث مئة وسبعة وتسعون حديثًا خارجًا عن الموقوفات على الصحابة، والمقطوعات عن التَّابعين فما بعدهم، قاله الحافظ ابن حجر:
~عَنَ أمْثَالِهِمْ رَوَوْا أَوَ أمْثَلَ مِنْهُمُ عَنِ الرَّحْمَةِ الَّتِي بِهَا اللهُ يَرْحَمُ
~نَبِيُّ الهُدَى رَأْسُ الثِّقَاتِ وَتَاجُهُمْ رَسُولٌ بِهِ الرُّسْلُ الكِرَامُ تَخَتَّمُوا
ورد في خاتم آدم: لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله، ورد في خاتم سليمان: لا إله إلَّا أنا، محمَّد عبدي ورسولي.