فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 65

~عَنِ العَلَمِ الأَسْمَى أَبِي الفَيْضِ فِي سُمًى وَوَسْمٍ لَهُ أَسْمَى بِهِ الزُّهْرُ تُوسَمُ

يعني: أنَّ الشيخين سيِّدي عبد السلام وسيِّدي أحمد رَوَيا عن أبي البركات سيِّدي عبد القادر بن عليِّ بن يوسف بن محمَّد الفاسيِّ؛ أي: عن الشهير حتَّى كأنَّه العَلَم الأَسمى الشبيه بأبي الفيض مولانا عبد القادر الجيلانيِّ في اسمه، وفي وصفٍ له أعلى؛ وهو أنَّه يهدي به؛ أي: بذلك الوَسْمِ الزُّهْرِ تنعت {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16] .

قال شارح «الاكتفاء» في «فهرسة» شيخه: ذكر من لقيه شيخنا وأخذ عنه ببلاد المغرب أوَّلهم وأَوْلَاهم _ بالتقديم المستأثر من سائرهم بمزيَّة العرفان في الحديث والقديم _ شيخه الذي ربَّاه فأحسن تربيته، وغذَّاه بنفائس علومه فأحسن تغذيته، الشيخ الأبرُّ الأتقى الأطهر، ذو الهمَّة العليَّة، والمناقب السَّنيَّة، الذي طبق ذكره الآفاق وسارت بالثناء عليه الرفاق، الحافظ المحدِّث مُذكِّر الغافل والنَّاسي: أبو محمَّد سيِّدي عبد القادر بن عليِّ بن يوسف الفاسيُّ، أخذ عنه علومًا جمَّةً في سائر الفنون؛ كالفقه والحديث والتفسير والنحو والبيان والأصلين والتصوُّف، أجاز له كلَّ مرويَّاته عن سائر أشياخه، وكان ملازمًا له إلى أن توفِّى بفاس ظهر يوم الأربعاء التاسع من رمضان، ودفنه ضحى غدِ يوم الخميس سنة إحدى وتسعين وألف، ومن أراد استيفاء ترجمة هذا الشيخ؛ فعليه بتأليف ولده أبي زيد «تحفة الأكابر بمناقب الشيخ سيِّدي عبد القادر» وكان مع اتِّساع علمه وعظمة جاهه يأكل من عمل يدِه، فكان ينسخ «الجامع الصحيح» للبُخاريِّ كثيرًا، ويبيعه ليعيش به، وكان الناس يرغبون في النسخ التي تُكرَّر بخطِّه؛ للبركة والإتقان، وكان يدرِّس الحديث والتصوُّف دائمًا.

قال في «التحفة» : وكان أكثر ما يكتب الصحيحين مع إدمان قراءتهما بروايته، ويبتدئ البُخاريَّ بزاوية الشيخ سيِّدي محمَّد بن عبد الله في نصف جمادى الأولى كلَّ عامٍ، ويختمه في آخر رمضان لليلة القدر، وكان له علمٌ واستحضارٌ عظيمٌ للحديث، لا سيَّما «الصحيحين» الدائم على قراءتهما ونسخهما، لا يعزب عنه مهما حدَّث ولا حركةٌ ولا راوٍ، ولا ما يتمكَّن بها من اللُّغة وغيرها، وقد وقف يومًا على كلام السيوطيِّ في شرح «نقايته» وما هو في الحفظ للحديث في كلامٍ على إطلاق الصانع

ص 132

على الله تعالى، ومن أخذه من قوله تعالى: {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88] ثُمَّ قال السيوطيُّ: بل ورد إطلاقه في حديثٍ صحيحٍ لم يستحضره مَن اعترض ولا مَن أجاب؛ وهو ما رواه الحاكم وصححه البيهقيُّ من حديث حذيفة مرفوعًا: «إنَّ الله صانعُ كلِّ صانع، وصنعته ... » فكتب عليه شيخنا صاحب الترجمة، وفي «صحيح مسلم» في (كتاب الذكر) أنَّ: «الله صانع ما شاء لا مكره له» فانظر هذا الرسوخ وهذا الاستحضار وهذا الحفظ والضبط، والسيوطيُّ بلغ الغاية في حفظ الحديث وشرح الكتب الستَّة والله يختصُّ برحمته مَن يشاء، ودخل يومًا مع الفقيه الصَّالح الورع السيِّد أبي العباس أحمد بن قاسم بن حمدون الحسينيِّ السَّلَميِّ على مريضٍ يعودانه، فقال الشيخ للمريض: ما عندك بأسٌ والله يكفِّر به الذنوب، فقال له الشريف المذكور: أراك لم تقل كما ورد في السُّنَّة من أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عاد مريضًا فقال: «أسأل الله ربَّ العرش العظيم أنْ يشفيك» فقال الشيخ برهةً: والذي في «الصحيح» موافقٌ لهذا الذي قلت حيث قال: «لا بأس، طهورٌ إن شاء الله» فتعجَّب الشريف المذكور واهتزَّ طربًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت