~وَيَا لَهُ مِنْ أَصْلٍ كَثِيرِ الجَنَى لَهُ بِمِلَّةِ إِسْلَامٍ يَدٌ لَيْسَ تُحْسَمُ
~رَوَاهُ عَنِ القَصَّارِ شِقَّةُ عِلْمِهِ مُطَرِّزُهَا لَهُ طِرَازٌ وَمُعْلَمُ
أي: روى سيِّدي عبد الرحمن عن جماعةٍ؛ منهم: أبو عبد الله محمَّد بن قاسم بن محمَّد بن عليِّ القيسيُّ الغرناطيُّ الأصل، الفاسيُّ المولد والدار، المعروف بالقصَّار، مُفتي فاس وخطيب جامع القرويِّين بها، ومحدِّث المغرب في وقته، قدم أبوه من غرناطة لمَّا استولى عليها العدوُّ، وولد هو بفاس سنة 938 هـ، ولمَّا لقي ابن عاشر _ في وجهته الحجازيَّة _ الشيخ عبد الله الدنوشريَّ، وسأله عن أشياخه فذكر له الشيخ القصَّار من جملتهم أنشده:
~قد حاك شقة العلوم أئمَّة وكسوا بها بالفضل من هو عار
~رقَّت حواشيها ورقَّ طرازها لكنَّها تحتاج للقصَّار
قال في «صفوة ما انتشر» : ورأيت في كتاب «ابتهاج القلوب» ما صورته أنَّ صاحب الترجمة لما كبر سنُّه، واحتاج لتجهيز بناتٍ له وكان قليل ذات اليد؛ فاوض تلميذه الشيخ أبا محمَّد سيِّدي عبد الرحمن بن محمَّد الفاسيَّ، وشاوره في الذهاب إلى السلطان أبي العباس المنصور بمراكش، وكان الكبراء يَفِدُون عليه كلَّ سنةٍ.
قال أبو محمَّد: فقلت: يا سيدي؛ ذهب جلُّ عمرك في محبَّة سيِّدي رضوان وخدمة العلم، والآن تُدَنِّسه بمصاحبة الملوك وأبناء الدنيا، وترقِّع الحلَّة بالتدليس، وانظر إلى حال شيخنا سيِّدي رضوان وفراره من ملامتهم ومداخلتهم، فقال: إنِّي لست مثل سيِّدي رضوان، فإنَّه كان لا يري السلطان الطرفة والفاكهة حتَّى تسبق سيِّدي رضوان؛ بمعنى: أنَّ الناس يتحبَّبون إليه ويتقرَّبون عليه بالطرف؛ إكرامًا وإعظامًا.
قال أبو محمَّد: فوقع في نفسي الجواب أنْ أقول له: لأيِّ شيءٍ كان ذلك؟ وما سببه؟ أمَّا هو في صدقه مع الله وثقته به؟! ومن كان لله كان الله له، لكنِّي لم أواجهه بذلك؛ حياءً منه وأدبًا معه، ثمَّ إنَّ أبا محمَّد أخبر بذلك أخاه أبا المحاسن وذكر ما وقع بينه وبين صاحب الترجمة، فقال له الشيخ أبو المحاسن: أمَّا أنا فآمره بالمشي، فإنَّ هذا الذي حملته حمل فقيرٍ لا حمل فقيهٍ، ومع ذلك فالناس
ص 134
محتاجون لعلمه، فإذا لم يظهر الآن فأيُّ وقت يظهر؟ فأخبر بذلك الشيخ القصَّار ففرح بذلك، وجاء من حينه أبا المحاسن وشاوره في ذلك فوافقه، فتوجَّه للمنصور فعرف له مقداره ومنزلته من العلم وأجلَّ رتبته، وأعطاه ما أقام به أوده، وولَّاه الفتوى والخطابة بجامع القرويِّين وتفرقة صدقة المساكين، وكان عنده بالمنزلة العظمى، فشاع بذلك علمه، وكثر الآخذون عنه.
وكان تقدَّم له إحسانٌ عند المنصور، وذلك أنَّه لمَّا قام ابن أخيه الناصر، واهتزَّ لقيامه المغرب، وتشوَّش منه المنصور؛ كتب صاحب الترجمة للشيخ الصالح سيِّدي محمَّد بن عليِّ بن ريسون كتابًا وهو يحضُّه على الاستمساك بدعوة المنصور، وأن يلزم الانقياد إليه، فوقع ذلك الكتاب بيد المنصور فوقع منه بالمحلِّ الأسمَى، فلمَّا قدم عليه صاحب الترجمة بعد ذلك؛ وجد في نفسه من محبَّته ما أنتجه ذلك الكتاب.
وكان مع غزارة علمه ضيَّق العبارة في نفسه ويده، وضاع بسبب ذلك كثيرٌ من علمه، ولم يتصدَّ للتأليف، وإنَّما كانت تقاييده في بطاقاتٍ، وذكر أنَّه لما توفِّي كان ورثته يبيعون ذلك بالوزن بالأرطال، فضاع بسبب ذلك علومٌ كثيرةٌ، ولقوَّة اختصار عبارته لم يكن يحضر بمجلسه الواحد والاثنان ممَّن مارسَه وعرف تحقيقه واختصاره حتَّى كان يجتزئ في الأجوبة بالكلمة والكلمتين، وربَّما اقتصر على نعم أو لا، وكانت له معرفةٌ بالتاريخ وأنساب الناس، وجمع خزانةً كبيرةً، ومن شعره:
~فإن لم تجد بدًّا من الجهل فاستعن عليه بجهَّال فذاك من الحزم
ولما توفِّي المنصور رحمه الله؛ طلبه ولده زيدان بالوفود عليه لمراكش، فجاء شائعًا أنَّه طلب من الله ألَّا يلقاه، فاعتراه مرضٌ في الطريق، فمات بزاوية ابن ساسيِّ، وحمل إلى مراكش فدفن بإزاء باب روضة أبي العباس السبتيِّ، وكانت وفاته في رمضان سنة اثنتي عشرة وألف، وذكر في «النزهة» رسالة بعثها إلى المنصور؛ ومنها:
~روى أبو داود ثمَّ الحاكم ما صحَّ من بعث المجدد اعلموا
~برأس كلٍّ مئة [وابن] الرسول شرط في الحديث بالغير يزول
~ولم نرَ ابنًا جدَّد الدين سوى إمامنا المنصور فالكفر ثوى
ص 135
~أبقاه ربُّنا لإحياء الدين في قوةٍ وغلب متين
انظر «النزهة» ففيها بعض مخالفة.