فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 65

~وَنَالُوا الَّذِي نَالَ الثُّرَيَّا تَنَزَّلَتْ لَهُ ابْنُ المَدِينِي مِثْلُهُ لَيْسَ يَحْلُمُ

~وَمَا عَابَهُ مَا قَالَهُ وَهْوَ يَتَّقِي كَمَا ابْنُ مَعِينٍ لَمْ يُعَبْ وَهْوَ يَنْدَمُ

[عليُّ بن المدينيِّ]

: فيه احتباك ابن [معين] : وهو يتَّقي ويندم، وهو يندم ويتَّقي.

في «التَّهذيب» : عن أبي قدامة قال: سمعت ابن المدينيِّ يقول: رأيت فيما يرى النائم كأنَّ الثُّريَّا تدلَّت حتَّى تناولتها، قال أبو قدامة: فصدَّق الله رؤياه، بلغ في الحديث مبلغًا لم يبلغه أحدٌ، وعن الأعين: رأيت عليَّ بن المدينيِّ مستلقيًا وأحمد ابن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن يساره، وهو يملي عليهما، قال محمَّد بن إسحاق السرَّاج: سمعت محمَّد بن إسماعيل البُخاريَّ وقلت له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي أنْ أقدم العراق وعليُّ بن عبد الله حيٌّ فأجالسه، وقال إبراهيم بن معقل: سمعتُ محمَّد بن إسماعيل البُخاريَّ يقول: ما استصغرت نفسي عند أحدٍ إلَّا عند عليِّ بن المدينيِّ.

قال أزهر بن جميل الشطِّيُّ: كنا عند يحيى القطَّان أنا وعبد الرحمن وسفيان وعليُّ بن المدينيِّ وغيرهم، إذ جاء عبد الرحمن بن مهديٍّ منتقع اللَّون، أشعث الرأس، فسلَّم، فقال له يحيى: ما حالك يا أبا سعيد؟ قال: خيرٌ، رأيت البارحة في المنام كأنَّ قومًا من أصحابنا قد نكَّسوا، قال عليُّ: يا أبا سعيد؛ هو خيرٌ، قال الله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس:68] فقال عبد الرحمن: أُسكتْ، فوالله إنَّك لفي القوم.

ورأى عليُّ بن المدينيِّ كأنَّه يخطب على قبر داود فاغتمَّ بها، وخاف أن يُفتَن في دينه، فكان منه ما كان، يعني: أنَّه أجاب لمَّا امتحن إلى القول بخلق القرآن.

قال أبو العيناء: دخل عليُّ بن المدينيِّ

ص 59

على أحمد بن أبي دؤاد بعد أنْ جرى من محنة أحمد ابن حنبل ما جرى، فناوله رقعةً وقال: هذه طرحت في داري فقرأها، فإذا فيها:

~يا ابن المدينيِّ الذي شرعت له دنيا فجاد بدينه لينالها

~ماذا دعاك إلى اعتقاد مقالةٍ قد كان عندك كافرًا من قالها

~أمرٌ بدا لك رشده فقبلته أم زهرة الدنيا أردت نوالها

~فلقد عهدتك لا أبا لك مرَّة صعب المقادة للتي تُدعى لها

~إن الحريب لمن يصاب بدينه لا من يزري ناقة وفصالها

فقال له أحمد: هذا بعض شراد هذا الوثنيِّ، يعني: ابن الزيَّات، وقد هجا خيار النَّاس، وما هدم الهجاء حقًا، ولا بنى باطلًا، وقد قمت وقمنا من حقِّ الله عزَّ وجلَّ بما يصغِّر قدر الدنيا عند كبير ثوابه، ثمَّ دعا له بخمسة آلاف درهم فقال: اصرف هذه في نفقاتك وصدقاتك.

وقال ابن عمَّار: كتبت إلى عليِّ بن المدينيِّ كتابًا لمَّا أجاب إلى المحنة، أذكِّره الله عزَّ وجلَّ، فأخبرني رجلٌ عنه أنَّه بكى حين قرأ كتابي، قال: ثُمَّ رأيته بعد، فقلت له: فقال لي: ما في قلبي ممَّا قلتُ، وأجبتُ إليه، ولكن خفتُ أنْ أُقتل، قال: وتعلم ضعفي أنِّي لو ضربت سوطًا واحدًا؛ لمتُّ، قال ابن عمَّار: ورفع عني ابن أبي دؤاد امتحانه إيَّاي من قبل ابن المدينيِّ، شفع إلى ابن لابن أبي دؤاد، ورفع عن غير واحدٍ من أهل الموصل من أجلي.

قال ابن عمَّار: ما أجاب إلى ما أجاب إلَّا خوفًا.

وفي «الطبقات» : انعقد الإجماع على جلالته وإمامته، وله التَّصانيف الحسان، قال أبو حاتم: كان ابن المدينيِّ علَمًا في النَّاس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحمد سمَّاه قطُّ، إنَّما كان يكنِّيه؛ تبجيلًا، وقال النسائيُّ: كأنَّ الله خلق عليَّ بن المدينيِّ لهذا الشأن.

وقال صاعقة: كان ابن المدينيِّ إذا قدم بغداد تصدَّر الحلقة، وجاء يحيى بن معين وأحمد ابن حنبل والنَّاس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شيءٍ تكلَّم فيه ابن المدينيِّ، وقيل لأبي داود: أحمد أعلمُ أم عليٌّ؟ قال: عليُّ أعلم باختلاف الحديث من أحمد.

والصحيح عندنا: أنَّه إنما أجاب خشيةَ

ص 60

السيف، وما حُكِيَ أنَّه علَّل حديث الرؤية بسؤال القاضي أحمد بن أبي دؤاد، وقوله له: هذه حاجة الدهر، وأنَّ عليًّا قال فيه: مَن لا يُعوَّلُ عليه: قيس بن أبي حازم؛ إنَّما كان أعرابيَّا بوَّالًا على عَقِبَيه، وأنَّ ابن أبي دؤاد قال لأحمد ابن حنبل: تحتجُّ علينا بحديث جرير في الرؤية، وإنَّما هو من رواية قيس بن أبي حازم أعرابيٌّ بوَّالٌ على عَقِبَيه، وأنَّ أحمد ابن حنبل قال: علمتُ أنَّ هذا من عمل ابن المدينيِّ فهو أثرٌ لا يصحُّ، وقال أبو بكر بن الخطيب: هذا باطلٌ قد نزَّه الله ابن المدينيِّ عن قول ذلك في قيس، وليس في التَّابعين من أدرك العشرة، وروى عنهم غيره، ولم يحكِ أحدٌ ممَّن ساق محنة أحمد أنَّه نوظر في حديث الرؤية.

وأمَّا يحيى بن معين: فهو كما في «التَّهذيب» : يحيى بن معين بن عون الغطفانيُّ المرِّيُّ البغداديُّ، الإمام العالم الحافظ المشهور المتقن، كان أبوه على خراج الريِّ، فمات فخلف لابنه المذكور ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فأنفق المال جميعه على الحديث حتَّى لم يبقَ له نعلٌ يلبسه، وكتب بيده ستَّ مئة ألف حديث، فيما رواه عنه أحمد بن عقبة، وهو صاحب «الجرح والتَّعديل» وكان بينه وبين أحمد من الصُّحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهورٌ، وكان ينشد:

~المالُ يَذهبُ حِلُّه وحرامُهُ يَومًا وَتَبْقَى في غدٍ آثامُهُ

~ليس التَّقيُّ بمتَّقٍ لإلهِهِ حتَّى يَطيبَ شرابُهُ وطعامُهُ

~ويَطِيبَ ما يحوي وتَكْسِبُ كفُّهُ ويكونَ في حُسنِ الحديثِ كلامُهُ

~نَطَقَ النبيُّ لنا بهِ عَنْ رَبِّهِ فَعَلَى النَّبيِّ صلاتُه وسَلَامُهُ

رأى رجلٌ عند موت ابن معين النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه مجتمعين، فسألهم عن سبب اجتماعهم، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «جئتُ لأصلِّي على هذا الرجل، فإنَّه كان يذبُّ الكذب عن حديثي» ونُودِيَ بين يدي نعشه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

ثم رُئِيَ في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأعطاني، وحَبَاني، وزوَّجني ثلاث مئة حوراء وأدخلني عليه مرَّتين، وقيل فيه:

ص 61

~ذهبَ العَليم بعيب كُلِّ مُحدِّثٍ وبكلِّ مختلفٍ من الإسناد

~وبكلِّ وَهْمٍ في الحديثِ ومُشْكِلٍ يَعْنِي بهِ عُلماء كُلِّ بلاد

وفي «الطبقات» : عن ابن عبد البرِّ أنَّه _ أي: كلام ابن معين في الشافعيِّ _ ممَّا انتقم على ابن معين وعتب عليه، وذكر قول أحمد ابن حنبل: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعيَّ؟! هو لا يعرف الشافعيَّ، ولا يعرف ما يقوله الشافعيُّ، ومَن جهل شيئًا عداه، قال ابن السبكيِّ: وقد كان في بكاء ابن معين على إجابته المأمون على القول بخلق القرآن وتحسُّره على ما فرَّط منه؛ ما ينبغي أنْ يكون شاغلًا له عن التَّعرُّض إلى إمام الأئمَّة ابن عمِّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.

~وَكَمْ قَالَهَا مِنْ مُتَّقٍ وَهْوَ مُتَّقٍ لَهُمْ مُبْطِنٌ خِلَافَ مَا يَتَكَلَّمُ

وقد قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] وذلك: كأبي مُسهر الغسَّانيِّ الإمام الدمشقيِّ شيخ الشام، قال تقيُّ الدِّين السبكيُّ: قال ابن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أنْ رجعت لم أرَ مثل أبي مُسهر، وقد امتحنه المأمون، وحمله إلى الرَّقَّة بالقول بخلق القرآن، وأُدخِلَ إليه وقد ضُرِبتْ رقبةُ رجلٍ وهو مطروحٌ بين يديه، فامتحنه فلم يُجبه، فأمر به إلى بغداد، فأقام مئة يوم، ومات.

~وَلَكِنْ مَنْ يَصْبِرْ وَلَلصَّبرِ أَجْمَلُ الْـ ـوُجُوهِ وَأَعَلَاهَا فَدِينُهُ أَسْلَمُ

وذلك كعفَّان بن مسلم، في «الطبقات» : أوَّل من اُمتحِنَ فيها من العلماء عفَّان بن مسلم الحافظ، ولمَّا دعي وعرض عليه القول بخلق القرآن فامتنع؛ قيل: قد رسمنا بقطع عطائك _ وكان يُعطَى ألف درهم في كلِّ شهرٍ _ فقال: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:22] وكانت عنده عائلة كبيرة، قيل: فدقَّ عليه الباب داقٌّ في ذلك اليوم، وقال: خُذْ هذه الألف، ولك كلَّ شهرٍ عندي ألف يا أبا عثمان؛ ثبَّتك الله كما ثبَّت الدِّين.

ومنهم: عاصم بن عليِّ بن عاصم بن صهيب: قال التَّقيُّ: وعن أحمد بن عيسى قال: أتاني آتٍ في منامي، فقال لي: عليك بمجلس عاصم بن عليٍّ، فإنَّه غيظٌ لأهل الكفر، وكان رحمه الله ممَن ذبَّ عن الإسلام في المحنة، قيل ليحيى بن معين:

ص 62

يا أبا زكرياء؛ قد أصبحت سيِّد النَّاس، قال: أُسكت ويلك! أصبح سيَّد النَّاس عاصم بن عليٍّ، في مجلسه ثلاثون ألف رجلٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت