فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 65

~وَلَا سِيَّمَا الرَّاوُونَ عَنهُ حَدِيثَهُ فَكُلُّهُمُ خَلِيفَةٌ عَنْهُ يَحْكُمُ

أخرج الطبرانيُّ في «الأوسط» عن ابن عباَّس رفعه: «اللَّهمَّ ارحم خلفائي» قلنا: يا رسول الله؛ ومَن خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي يعلِّمونها الناس» .

ذكر ابن بشكوال في كتاب «الصِّلة» له، قال: أنشدنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن عتاب، أنشدني أبي قال: كان بعض علمائنا إذا رأى أصحاب الحديث يقول:

~أهلًا وسهلًا بالذين أحبُّهم وأودُّهم في الله ذي الآلاء

~أهلًا بقومٍ صالحين ذوي تقى خير الرجال وزين كلِّ ملاء

~يسعون في طلب الحديثِ بعفَّةٍ وسكينةٍ وتوقُّرٍ وحياء

ص 31

~لهم المهابةُ والجلالةُ والنُّهى وفضائلُ جلَّت عن الإحصاء

~ومداد ما تجري به أقلامهم أزكى وأطهر من دم الشهداء

~يا طالبي علم النبيِّ محمَّدٍ ما أنتم وسواكم بسواء

وذيَّلها أبو العبَّاس العزفيُّ بقوله:

~سمَّاكم خلفاءه ودعا لكم فلكم به فضلٌ على الخلفاء

~هُمُ أَهْلُهُ أَهْلُ الرَّسُولِ وَآلُهُ ذَلِكَ أَعْلَى مَا يَكُونُ وَأَعْظَمُ

قيل: كما أنَّ أهل القرآن أهل الله، فأهل الحديث هم أهل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأنشدوا:

~أهلُ الحديثِ هُم أهلُ النبيِّ إذا لم يصحبوا نفسَه أنفَاسَه صَحِبُوا

~وَإِنَّهُمُ أَوْلَى بِهِ فِي قِيَامَةٍ لِكَثْرَةِ مَا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلَّمُوا

أخرج الترمذيُّ وابن حبَّان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاةً» قال ابن حبَّان في «صحيحه» أي: أقربهم منه في يوم القيامة، قال: وفيه بيانٌ أنَّ أولاهم به صلَّى الله عليه وسلَّم فيه أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم.

وقال الخطيبُ البغداديُّ: قال لنا أبو نعيم: هذه منقبةٌ شريفةٌ يختصُّ بها رواة الآثار ونقلتُها؛ لأنَّه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصَّلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر ممَّا يعرف لهذه العصابة نسخًا وذِكرًا.

قال في «شرح دلائل الخيرات» : ثمَّ إنَّما كان المكثر من الصَّلاة عليه صلَّى الله عليه وسلَّم أولى الناس به _ والله أعلم _ لتقرُّبه إليه، واتِّخاذه عنده يدًا بذلك، كما قال لعليِّ بن الموفق رضي الله عنه لما حجَّ عنه حججًا، فرآه في المنام: «هذه يدٌ لك عندي أكافئك بها يوم القيامة، آخذ بيدك في الموقف، فأُدخلك الجنة، والخلائق كلُّهم في كَربِ الحساب» ولأَّن كثرة صلاته عليه تدُّل على شدِّة حبِّه له؛ لأنَّ مَن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره، و «المرء مع مَنْ أحبَّ» وشدَّة محبَّته له تدلُّ على قوَّة متابعته له.

ومن كان بهذه المثابة من كثرة الصلاة والمحبَّة والمتابعة قربت روحه من روحه صلَّى الله عليه وسلَّم، وحصل بينهما التعارف والائتلاف، والارتباط والمناسبة، فكان من أولى الناس به صلَّى الله عليه وسلَّم، لا سيَّما ونوره من نوره صلَّى الله عليه وسلَّم

ص 32

وطابعه فيه، وإنَّما خصَّ يوم القيامة بالذكر؛ لأنَّه هناك يلقاه، فيكون أولى الناس به، وهناك تجدُ كلُّ نفسٍ ما عملت، وتوفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبت، ويبلغ وقت الجزاء على الأعمال، ويكون الإنسان أحوج شيء إلى ذلك، وإلى شافعٍ يشفع له، والله أعلم، انظر تمامه.

~مَتَى مَا جَرَى ذِكْرٌ لَهُ بِكِتَابَةٍ وَنُطْقٍ يَضُعْ طِرْسٌ بِهِ وَيَضُعْ فَمُ

قال في «شرح دلائل الخيرات» عند قوله: وعن بعض الصالحين هو عبيد الله بن عمر القواريريُّ رحمه الله من أئمَّة الحديث ممَّن صنَّف «المسند» على تراجم الرجال في طبقة أحمد ابن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبي خيثمة، وذكر حكايته هذه غير واحدٍ، قال عبيد الله: كان لي جارٌ ورَّاقٌ فمات، فرأيته في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: كنتُ إذا كتبت اسم النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كتبتُ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقد ذكر المؤلِّفون في هذا الفنِّ مرائي في هذا الباب ينبغي لنا أنْ نأتسي بهم في ذكرها لما يُرجي من نفعها.

فروى الحافظ أبو عبيد الله النميريُّ بسندٍ يرفعه إلى سفيان بن عُيَيْنَة قال: حدَّثنا خلف صاحب الخلقان قال: كان لي صديقٌ يطلب معي الحديث فمات، فرأيته في المنام وعليه ثيابٌ خُضرٌ جُددٌ يجول فيها، فقلت له: ألستَ صاحبي الذي كنت تطلب معي الحديث؟ فما هذا الذي أرى؟! قال: كنت أكتب معكم الحديث فلم يمرَّ بي حديثٌ فيه ذكر محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا كتبت بإثره صلَّى الله عليه وسلَّم، فكافأني بهذا الذي تراه عليَّ، نقله عنه ابن وداعة وغيره.

وذكر ابن وداعة أيضًا وغيره عن محمَّد بن أبي سليمان قال: رأيت أبي في النوم فقلت له: يا أبتِ؛ ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال: بكتابتي الصَّلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كلِّ حديثٍ.

وعن جعفر بن عليِّ الزعفرانيِّ قال: سمعت خالي الحسن بن محمَّد يقول: رأيت أحمد ابن حنبل في النوم، فقال لي: يا أبا عليٍّ؛ لو رأيت صلاتَنا على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الكُتب كيف تُزهر في الدنيا؟!.

وعن القاسم بن عبد الله المروزيِّ قال: كنتُ أنا وأبي نقابل الحديث باللَّيل، فرُئِيَ في الموضع الذي نقابل فيه عمودٌ من نور

ص 33

يبلغ عنان السماء، فقيل: ما هذا النور؟ فقيل: صلاتهما على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

ورُئِيَ أبو العبَّاس أحمد بن منصور الحافظ بعد موته، وعليه حُلَّة، وعلى رأسه تاجٌ مكلَّلٌ بالجوهر، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني وتوَّجني وأدخلني الجنَّة، فقيل له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، انظر الشرح تستفيد.

~صَلَاةٌ وَتَسْلِيمٌ عَلَيْهِ مُتمِّمٌ لَهَا مَا بِهَا بَدْرُ الْقُلُوبِ مُتَمَّمُ

قال غير واحد من العلماء منهم: شيخ الإسلام النوويُّ: أنَّه يكره إفراد الصَّلاة عن السلام وعكسه، واستدلُّوا بورود الأمر بهما معًا في الآية، ويقول النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما سُئلَ كيف نصلي عليك؟ فذكر الصَّلاة ثمَّ قال: «والسلام كما علمتم» يعني في التشهُّد.

وحكى حجَّة الإسلام الغزاليُّ والحافظ أبو عمرو بن الصَّلاح رحمهما الله عن حمزة الكنانيُّ قال: كنتُ أكتب الحديث، وكنتُ أكتب عند ذكر النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أكتب وسلَّم، فرأيت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: «ما لك لا تُتِمُّ الصَّلاة عليَّ» قال: فما كتبت بعد ذلك صلَّى الله عليه إلَّا وكتبت وسلَّم، انظر «شرح الدلائل» .

~وَفِي «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً» أَيُّ قِسْمَةٍ تَصِيرُ لَهُمْ إذْ قَاسِمُ العِلْمِ يَقْسِمُ

وفي «الصحيح» : «إنَّما أنا قاسمٌ والله يعطي» وأخرج أبو داود والترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيح، عن ابن مسعودٍ رفعه: «نضَّر الله امرأً سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع» وأخرجه الترمذيُّ وقال: حسن، عن زيد بن ثابت مرفوعًا بلفظ: «نضَّر الله امرأً سمع منَّا حديثًا فحفظه حتَّى يبلِّغه غيرَه، فرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه» .

وقوله: (منَّا) لا يستلزم المشافهة بل يشمل ما كان بواسطة؛ بدليل رواية الترمذيِّ وغيره عن ابن مسعود، ورواية أبي داود وغيره عن زيد بن ثابت: «نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي، فوعاها، وحفظها، ثمَّ أدَّاها إلى مَن لم يسمعها» .

و (النضرة) : الحُسن والرونق، والمعنى: خصَّه الله بالبهجة والسرور؛ لأنَّه يسعى في نضارة العلم، وتجديد السُّنَّة، وإزالة ما عسى أنْ

ص 34

يقع في القلب من كآبةٍ بسبب اشتباه آيات الكتاب وإجمالها، وأيضًا من حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغيير كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا.

ونحن نقول: يجوز أن تكون تلك النضرة من أجل حدوثه من تلك الذات المنيرة، المزرية بشمس الظهيرة، أو من أجل كثرة ذِكره، والصَّلاة عليه؛ المؤدِّين إلى انطباع صورته الكريمة في النفس انطباعًا تامًّا.

وعلى كلِّ حال فذلك تقدمةٌ لما يلقون يوم البعث والنشور من النضرة والسرور، قال أبو بكر بن العربيِّ: قال علماء الحديث: ما من رجلٍ يطلب الحديث إلَّا كان على وجهه نضرة، وإلى هذا أشار أبو العبَّاس العزفيُّ بقوله:

~أهل الحديث عصابة الحقِّ فازوا بدعوة سيِّد الخلقِ

~فوجوههم زهر منضَّرة لَأْلَاؤها كتلؤلؤ البرقِ

~يا ليتني معهم فيدركني ما أدركوه به من السبقِ

وهذا نظير ما قاله عكرمة في قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ} [التين:5] مَن جمع القرآن لم يردَّ إلى أرذل العمر، فاستفيد من الحديث أنَّ الأشدَّ حفظًا وثباتًا أحقُّ بهذه النضرة، وذكر ابنُ الصلاح عن ابن سهلٍ الأبيورديِّ عن أبي بكرٍ محمَّد بن عبد الله الماورديِّ سمعت شيوخنا يقولون: دليل طول عمر الرجل اشتغاله بأحاديث الرسول صلَّى الله عليه وسلم، إلى هذا يشير الراويةُ أبو الطاهر أحمد بن محمَّد السلفيُّ:

~أنا من أهل الحديـ ـثِ وهم خير فئة

~عشتُ تسعين وأرجو أنْ أتمِّم مئة

وقوله في الحديث: «رُبَّ مبلَّغٍ» «رُبَّ حامل» يذكِّرك قول ابن الفارض:

~يا أخت سعد بن حبيب جئتني برسالة أدَّيتها بتلطُّفِ

~فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما لم تنظري وعرفت ما لم تعرفِ

~مَقَالَتُهُ وَهْوَ الصَّدُوقُ بِفِعْلِهِ فَتَقْرِيرُهُ كَدُرِّ عِقْدٍ يُنَظَّمُ

لما كان في الحديث السابق: «سمع مقالتي» وسنَّته صلَّى الله عليه وسلَّم هي قوله، وفعله، ومِن فعله تقريره، وقد رتِّبت كذلك كما في الترجيح من «جمع الجوامع» .

نبَّه على أنَّ قوله: «مقالتي» باعتبار الغالب

ص 35

متخلِّصًا لذكر السُّنَّة التي هي تلك الثلاثة بقوله:

~هِيَ السُّنَّةُ الغَرَّاءُ أَقْسَامٌ انْجَلَتْ بِـ {فَاتَّبِعُونِي} مِثْلَمَا انْجَلَتْ أَنْجُمُ

إذ قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران:31] أي: في أقوالي وأفعالي وتقريراتي.

~وَمِنْهَا تَرَى لُزُومَ تَصْدِيقِ مُسْنَدٍ لَنَا عَنْهُ وَهْوَ بِالْأَمَانَةِ يُوسَمُ

(مِنْهَا) أي من آية: ( {فَاتَّبِعُونِي} ) لأنَّ الخطاب شاملٌ للحاضر والغابر إلى يوم تبلى السرائر، وفي ختام «الشمائل» عن عبد الله بن المبارك: إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر، وعن ابن سيرين قال: هذا الحديث دينٌ فانظروا عمَّنْ تأخذون دينكم، انظر شرحها ولا بُدَّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت