~وَفِي طَلَبٍ لِلْعِلْمِ جَاءَتْ أَثَارَةٌ مِنَ الْعِلْمِ مِنْهَا عَنْ مُعَاذٍ: «تَعَلَّمُوا»
«تعلَّموا العلم فإنَّ تعلُّمه خشيةٌ، وطلبه عبادةٌ، ومذاكرته تسبيحٌ، والبحثُ عنه جهادٌ، والفكرة فيه تعدل الصِّيام، ومدارسته تعدلُ القيام ... » إلخ.
ومنها ما في «مسلم» عن أبي هريرة رفعه: «مَنْ سلك طريقًا يطلب به علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة» وذكر طريقًا وعلمًا؛ ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى شيء من العلوم الدينيَّة كثيرٌ أو قليلٌ، سهَّل الله له طريقًا؛ أي: في الدنيا بأنْ يوفِّقه للأعمال الموصلة إلى الجنَّة أو في الآخرة.
~هُمُ الْعُلَمَاءُ الْوَارِثُونَ نَبِيَّهُمْ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُمُ
قال تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10] .
وفي الحديث: «العلماء ورثة الأنبياء» وفيه: «علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل» وهو وإنْ قال الترمذيُّ وغيره: لا أصل له بهذا اللفظ، فقد ثبت ما يثبتُه، ورؤيا الشاذليِّ مشهورةٌ في الكتب مسطورة، انظرها في شرح قولنا في «الميميَّة» : _ ومنك آدم _ ... إلخ، وفي حديث
ص 17
آخر: «العالم في قومه كالنبيِّ في أمَّته» .
وفي كتاب «مشاهد الأسرار القدسيَّة» لمولانا محيي الدِّين بن عربيٍّ: سألني الأخ الوليُّ، الصفيُّ ابن العم أبو الحسن عليُّ بن عبد الله العربيِّ بقرطاجنَّة، وكان قد سمع من شيخه أبي محمَّد عبد العزيز بن أبي بكر القرشيِّ المهدويِّ، أنَّهُ قال _ أبقى الله بركته _: علماء هذه الأمَّة أنبياء سائر الأمم، فقلت له: صدق رضي الله عنه فيما قال؛ أشار بذلك في العلم، والهداية للخلق، والإرشاد للصراط المستقيم، وإمساك العلم على الجمهور حذرًا من الضَّلال باستيلاء الجهل عليهم، ولو ترك العلم ضلَّ الناس، ولم يبقَ من يُحرِزُ لهم ما أوجب عليهم من وظائف التكلِّيف من تحريمٍ وتحليل، ومباح ومكروه، ووجوب وندب، إلى مثل ذلك، ثمَّ ما يتعلَّق بالصفات الموصلة إلى النَّجاة مثل: الزُّهد، والورع، والتَّوكل، والصَّبر، والخوف، والرَّجاء، وما أشبه ذلك، ثمَّ ما يتعلَّق بصفات الحقِّ جلَّ جلاله من: الجلال والهيبة، والجمال، والعظمة والكبرياء، وما أشبه ذلك، وفي ابتداء هذا المقام يتَّصفُ الإنسان بالأوصاف التي ذكرتها الصُّوفيَّة من: الصَّحو، والسُّكر، والذَّوق، والشُّرب، والهيبة، والأنس، والمحو ومحو المحو، وفناء العين، ثمَّ قال: نقول: إنْ كان فُقِدَ شخص النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورؤيته، فما فُقِدَتْ شريعته وسُنَّته، بل أودعها الله تعالى خزائن صدور العلماء الورثة، فإذا فرغ السائل بسؤاله تلك الخزائن، انفتحت أبوابها وهي ألسنة العلماء، فأخرجوا له ما يحتاج إليه، لا يزيدونه على ما يحمله عقله شيئًا؛ اقتداءً بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حيث قال: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم» ثمَّ قال: وأجمع المتصوِّفة أهل الحقائق، وشيخنا صاحب ملَّتنا منهم أنَّ آخر قدم يضعه الوليُّ هو أوَّل قدم يضعه النبيُّ، فبدايات الأنبياء هي نهايات الأولياء الصِّدِّيقين، ثمَّ قال: (والأنبياء) جمع نبيٍّ من النبأ، يعني فاعل أو مفعول إذا أَخبروا وأُخبروا _ وكذلك الأولياء تُخَبرُ بالإلهام وتُخبِر، لكن لا تجديد شريعة، ونسخ أخرى _ أو من النُّبوَّة وهي الرفعة {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] ثمَّ قال: قوله: «علماء هذه الأمَّة أنبياء سائر الأمم»
ص 18
أراد مثل الأنبياء غير المرسلين، فالنبيُّ تابعٌ للرسول وعلى شريعته، لكن على غاية الاتِّباع، وكذلك الصوفيُّ متَّبعٌ أيضًا حالًا وقولًا وعملًا، برهان ذلك: أنَّ هارون ويوشع كانا متَّبعين لموسى عليه السلام، وكذلك إسماعيل وإسحاق مع إبراهيم عليه السلام مع كونهم أنبياء، ولم يكونوا أصحاب شريعة، كذلك علماء هذه الأمَّة، وهم القدوة، وهم الأمناء، وخلفاء الرسول عليه السلام على أمَّته من بعده، كهارون على قوم موسى، ثمَّ قال: وكان الشيخ جمال الحفَّاظ، عماد الرواة الأثبات، رأس الزاهدين المحدِّثين أبو محمَّد عبد الخالق بن عبد الرحمن الأزديِّ الإشبيليِّ، الخطيب المؤلِّف، قد واخى شيخ الشيوخ، وسلطان الوارثين أبا مدين رضي الله عنه ببجاية، وأقرَّ له بالسبق في طريق الحقِّ، وإرشاد الخلق، فكان إذا دخل عليه ويرى ما أيدَّه الله به سبحانه ظاهرًا وباطنًا؛ يجد في نفسه حالة سنيِّة لم يكن يجدها قبل حضور مجلسه، فيقول عند ذلك: هذا وارثٌ على الحقيقة، فقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لو كنتم في أهليكم كما كنتم عندي لصافحتكم الملائكة في الطرق» أو كما قال عليه السلام ممَّا هذا معناه، فلشهود النبيِّ عليه السلام في نفس المشاهد حالةٌ لا يجدها إلَّا عند مشاهدته، كذلك الأولياء عند مشاهدة الغير لهم، هذا ضروريٌّ يجده كلُّ من جالسهم، ومنهم مَنْ لم يقيِّد وهو قائد، قال سلطان العشَّاق بعد ذكر ذلك: إنَّ الأنبياء كانوا عن أحمد صلَّى الله عليه وسلَّم خلفاء:
~فعالمنا منهم نبيٌّ ومن دعا إلى الحقِّ منا قام بالرسليَّةِ
~وعارفنا في وقتنا الأحمديُّ من أولي العزم منهم أخذ بالعزيمةِ
وبعده ببيتٍ:
~بعترته استغنت عن الرسُلِ الورى وأصحابه والتابعين الأئمَّةِ
وتبعه البوصيريُّ فقال:
~لم نخفْ بعدك الضلالَ وفينا وارثو نورِ هديِك العلماءُ
وكان سيِّدي أحمد بن يوسف يقول: إنَّما أنا نائبٌ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقوله: (وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُ) إشارة إلى ما لعلماء
ص 19
بيته في ذلك من الخصوصيَّة، وقد قال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ} إلى قوله: {وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب:32 - 34] .
وقد أخرج الإمام مسلمٌ _ واللفظ له _ والترمذيُّ عن زيد بن أرقم قال: «قام فينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بماءٍ يدعى خمًّا بين مكَّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر ثمَّ قال: أمَّا بعد؛ أيُّها الناس إنَّما أنا بشرٌ يوشك أنْ يأتيني رسول ربَّي فأجيب، وإنِّي تاركٌ فيكم ثقلين؛ كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحثَّ على كتاب الله، ورغبَّ فيه ثمَّ قال: «وأهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي» ثلاثًا ... الحديث.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد رفعه: «إنَّي أوشك أن أدعى فأجيب، وإنِّي تاركٌ فيكم خليفتين؛ كتاب الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، وأنَّ اللَّطيف الخبير أخبرني أنَّهما لن يفترقا حتَّى تردوا على الحوض» .
وفي «البُخاريِّ» من حديث أبي جُحَيفة: سألت عليًّا: هل عندكم _ أي: معشر البيت _ شيءٌ ممَّا ليس في القرآن؟ فقال: والَّذي فلق الحبَّة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلَّا ما في القرآن، إلَّا فهمًا يعطاه رجل في كتابه» الحديث.
وقال محمَّد الباقر في: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل:43] نحنُ أهل الذكر، ومراده نحنُ مِنْ أخصِّ أهل الذكر، قال ابن كثير عليه: هذه الأمَّةُ أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من خير العلماء إذا كانوا على السُّنَّة المستقيمة؛ كعليٍّ، والحسن، والحسين، ومحمَّد بن الحنفيَّة، وزين العابدين، ومحمَّد الباقر، وجعفر الصادق، وكعبد الله بن عبَّاس وابنه عليٌّ وأشكالهم.
وإلى هذا أشار ابن الفارض بقوله: (بعترته) ، وإنْ شئت زيادة بسط لهذا وأنَّهم أكمل الورثة؛ فانظر شرح قصيدتنا «الميميَّة» عند ذكر أهل البيت ففيه من ذلك ما يُنعِشُ الميِّت.
~وَعِصْمَتُهُمْ حِفْظٌ مِنَ اللهِ صَانَهُمْ بِفَضْلِهِ عَمَّا شَانَهُمْ وَهْوَ أَرْحَمُ
قال في «مشاهد الأسرار القدسيَّة» : إشراف الأولياء على الأسرار على مقاماتهم التي وهبهم واهب العقل سبحانه، فاستُشرِفَ بهم على حبائل الشيطان ومصائده، ومكايد النَّفس ومخادعها، ونظروا إلى سلطان
ص 20
الهوى كيف يتصرَّف في الخلق بأعوان الشهوات، وأجناد الأماني، وهم برحمة الله قد عصموا باطِّلاعهم على ذلك، وشهودهم له، عصمة علمٍ لا عصمة حال، فكذلك علماء هذه الأمَّة وهم المتَّبعون والقدوة، وأوَّلهم الصحابة رضوان الله عليهم، ثمَّ التَّابعون، وتابعو التَّابعين إلى هلمَّ جرًّا، مِمَّن سلك طريقتهم المثلى، ورغب في الرفيق الأعلى، ثمَّ قال: ولا يصحُّ شرفٌ لمخلوقٍ على الكمال إلَّا بطاعة الله تعالى، واجتناب محارمه، ولذلك قيل: من أراد أنْ ينتقل من الذُّلِ إلى العزِّ؛ فليتحوَّل من معصية الله إلى طاعته، ألم ترَ إلى الملوك الذين حصل لهم الشرفُ الكامل في الدنيا لم يزالوا على ممرِّ الأعصار والدهور إلى هلمَّ جرًّا يأتون أبواب الصالحين، والفقراء، وذلك لما ذكرناه من التَّمكن في مقام الاقتداء؟!
قال الشيخ أبو يزيد طيفور بن عيسى البسطاميِّ: لو رأيتم أحدًا يسير في الهواء، ويمشي على الماء، وتطوى له الأرض، وتجري عليه أنواع الكرامات، وقد خالف أدبًا من آداب الشريعة، ولو أدنى أدب؛ فلا تلتفتوا إليه، فإنَّه مستدرج، وجاءه رجلٌ فقال له: يا أبا يزيد؛ في عصرنا هذا رجلٌ يذكر أنَّ عنده سرًّا من أسرار الله عزَّ وجلَّ، فتعال إليه، فقال أبو يزيد: نعم، فلما وصلا إلى منزل الرجل الصَّالح، قرعا الباب، فخرج الرجلُ وسلَّم عليهما، فجاءته نخامةٌ فرماها تجاه القبلة، فتركه أبو يزيد وقال لصاحبه: مُر بنا عن هذا الرجل، هو لم يحافظ على أدب من آداب الشريعة، كيف يُؤمَن على سِرٍّ من أسرار الله تعالى؟!
قال: فانظر _ نوَّر الله بصيرتك _ كيف صارت مباحات الشريعة كبائر عند هؤلاء، فما ظنُّكَ بحسناتهم، هيهات! فازوا وخسر المبطلون، وهذا من شأنهم رضي الله تعالى عنهم الناشئ لهم عن المراقبة والموافقة في جميع أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، هذا وكان ذاك الرجل لم يكن في مسجدٍ، وإنَّما كان على الطريق، لكنَّ أبا يزيد لما رأى أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «جُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» والقبلة موجودةٌ في أيِّ موضع كنت من الأرض، والصوفيُّ بما هو صوفيٌّ مُنَاجٍ في كلِّ أحواله بمنزلة العابد في وقت صلاته، فما يلزم المصلِّي في صلاته من الأدب مع الحقِّ جلَّ جلاله ذلك بعينه؛ يلزم الصوفيَّ في جميع أحواله، فإنَّهم يعملون على حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر الله على كلِّ أحيانه» وهذا الحديث صحيحٌ
ص 21
أخرجه مسلم، إلَّا لضروراتٍ، وما لا بُدَّ منه، لكن الذكر في تلك المواطن، والمناجاة بها موجودةٌ بالقلب، فتخلَّق الصوفيُّ بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] فما أشدَّ محافظتهم على قلوبهم مع الله، وهل شغلوا أنفسهم بشيءٍ سوى الله جلَّ جلاله؟ قال: وفاتتني صلاة العصر، فدخلت منزل شيخنا أبي محمَّد عبد العزيز المهدويِّ، فصلِّيتُ فذًّا، فلما أكملت صلاتي ما بقي أحدٌ من طلبته إلَّا عزَّاني وصافحني، ودعا لي بالخلف، وقوَّى صبري، فلم أميِّز والله نفسي، وظننت أنِّي قد خرجت عن زماني، وبقيت متعجِّبًا أنْ يكون في مثل هذا الزمان مثل هؤلاء، وتذكَّرت قول حاتم الأصمِّ: «فاتني الجماعةُ فعزَّاني رجلٌ وحده، ولو مات لي ولدٌ لعزَّاني أكثرُ من عشرة آلاف» فحمدت الله تعالى أنْ شاهدتُ قومًا هم على ما كان عليه السَّلف، وعملوا على قوله عليه السلام: «مَنْ فاته العصر في الجماعة فكأنَّما وتر أهله وماله» وذلك في العزاء.
~وَآيَتُهُمْ مَا اللَهُ مُكْرِمُهُمْ بهِ إِذَا سَلَكُوا سُبُلَ الهُدَى وَهْوَ أَعْلَمُ
قال ابن الفارض إثر ما تقدَّم عنه:
~وما كان منهم معجزًا صار بعده كرامة صديق له أو خليفة
~بعترته كراماتهم في بعض ما خصَّهم به بما خصَّهم من إرث كلِّ فضيلة
~فمن نصرة الدين الحنيفيِّ بعده قتال أبي بكر لآل حنيفة
~وسارية أبهاه للجبل الندا ء من عمر والدارُ غير قريبة
~ولم يشتغل عثمان عن ورده وقد أدار عليه القوم كاس منيَّة
~وأوضح بالتأويل ما كان مشكلًا عليٌّ بعلمٍ ناله بوصيَّة
~وسائرهم مثل النجوم من اقتدى بأيِّهم منه اهتدى بالنصيحة
~وللأولياء المؤمنين به ولم يروه اجتبا قرب لقرب الأخوَّة
في الحديث أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «واشوقاه إلى إخواني! قيل: ومَنْ إخوانك؟ ... » الحديث، يعني لهؤلاء الأولياء الذين نَعتَهم بوصف الأخوَّة مزيةُ اجتباء قرب؛ لأنَّ الأخ أقرب في الجملة من الصَّاحب، وذلك إنَّما قاله على سبيل الجبر لقلوب المؤمنين، ولم يَرَوه، وقد فسَّر بهذا الذين يؤمنون بالغيب ثمَّ قال:
~وقربهمُ معنًى له باشتياقه لهم صورةٌ فاعجبْ بحضرة غيبه
ص 22
أي: قرب المؤمنين الموصوفين معنًى بالأرواح؛ كقرب أُويس القرنيِّ له؛ أي: إليه، باشتياقه؛ أي: مع اشتياقه، وقال البوصيريُّ إثرَ ما تقدَّم:
~والكرامات منهم معجزاتٌ حازها من نوالك الأولياء
وقوله: (إذا سلكوا ... ) إلخ، قال الفقيه أبو اللَّيث: يُراد من العلماء عشرة أشياء؛ الخشية، والنصيحة، والشفقة، والاحتمال، والصَّبر، والحلم، والتَّواضع، والعفَّة عن أموال الناَّس، والدوام على النَّظر في الكتب، وقلَّة الحجاب، وألَّا ينازع أحدًا ولا يخاصمه، وعليه أنْ يشتغل بمصالح نفسه لا بقهر عدوه، وألَّا يترفَّه في المطعم والملبس، ولا يتجمَّل في الآلات والمسكن، بل يؤثر الاقتصاد في جميع الأمور، ويتشبَّه بالسَّلف الصَّالح، وكلمَّا ازداد إلى جانب القلَّة ميله؛ ازداد قربه من الله تعالى.
~وَهَلْ مِنْ كَرَامَةٍ تُرَى كَاسْتِقَامَةٍ وَعِلْمٍ لِمَنْ أَعْلَاهُ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ
قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [العلق:3] ومعلومٌ قولهم: لا كرامة ككرامة الاستقامة، وقد أشار ابن الفارض فيما تقدَّم إلى كرامة الاستقامة وكرامة العلم.
~وَلَا عَالِمٌ إِلَّا الَّذِي كَانَ عَامِلًا بِعِلْمٍ لَهُ وَهْوَ الْوَلِيُّ المُعَظَّمُ
سُئل أبو إسحاق الشاطبيُّ عن العالم والوليِّ، أيُّهما أفضل؟ وذلك أنَّ كلَّ واحدٍ منهما له في الدِّين رتبةٌ عاليةٌ، فإنَّ الله تعالى أثنى على العلم والعلماء، وبيَّن الكتاب والسنَّة بون ما بين العالم ومن ليس بعالمٍ؛ كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ} [فاطر:28] {يَرْفَعِ اللهُ} [المجادلة:11] {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] وفي الحديث: «مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدِّين» وأثنى على أهل الولاية أيضًا ثناءً عظيمًا، ووعدهم وعدًا جميلًا، فقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ} [يونس:62] ولما بيَّن أنَّ أولياء الله هم الذين آمنوا وكانوا يتَّقون، عرفنا أيضًا من معنى الآية أنَّهم الذين قالوا: ربُّنا الله ثمَّ استقاموا، فقال فيهم: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} [فصلت:30] وفي الحديث: «مَن آذى لي وليًّا» فانظر كيف عدَّ إذاية الوليِّ كمبارزة ربِّ العزَّة بالمحاربة، وهذا عظيمٌ؛ لأنَّه عليه السلام بيَّن عن ربِّه أنَّ وليَّ الله محبوبٌ عنده لتقرُّبه إليه بالنوافل، وأنَّه إذا أحبَّهُ كان ... إلخ، وهذه رتبةٌ عاليةٌ جدًّا، فربَّما يحصل التَّردُّد في الطلب بين الرتبتين، ولا شكَّ أنَّ الإنسان لو جمعهما لكان هو الأعلى، ولكانت رتبتهُ
ص 23
لا غاية فوقها، كما كان الصَّحابة رضي الله عنهم، فإنَّه لا يشكُّ ذو عقلٍ ودينٍ أنَّهم جمعوا بين المرتبتين، وفازوا بكلتا الطلبتين، وكذلك من لحق بهم من التَّابعين، ثمَّ بعد ذلك امتازت الطريقتان، إذ غَلَبَ أحد الطرفين لمَّا عَسُرَ الجمع، فخرج إلى جهة العلم من وفَّقه الله إليه، وصار أغلب أحواله، ومال إلى جهة الانقطاع إلى العبادة غير العلم من هيَّأه الله له، فامتازت الطريقتان، ولمَّا وجدنا الشريعة تمدح كلَّ واحدةٍ من الطائفتين، والإنسان في هذه الأزمنة ربَّما لا يقدر على حملهما معًا، فيقع السؤال: عن الحالتين، أيُّهما أفضل؟ فيعمل النَّفس فيه لعلَّه يفوز بأعلى المراتب في الآخرة.
والجواب عن ذلك _ والله الموفِّقُ للصَّواب _: أنَّ ههنا أصلًا لا بُدَّ من بيانه، وهو أنَّ الطريقتين في الحقيقة طريقة واحدةٌ؛ لأنَّ طلب العلم والاشتغال به مِن أفضل العبادات التي يُتَقرَّبُ بها إلى الله تعالى، فإنْ كان من الفرائض فواضحٌ، وإنْ كان من النوافل فهو ممَّا قال الله فيه: «ولا يزالُ عبدي ... » إلخ، فالمتقرِّب به من أولياء الله تعالى، وتقرُّبه به هو طلبه، والعناء في تحصيله، وبثُّه وتعليمه، وروحه أنْ يكون عاملًا به، فلا يوقع قولًا ولا عملًا إلَّا على مقتضاه، فإنَّه إنَّما أخبر الله بدرجات أهل العلم بشرط أنْ يكونوا عاملين به، بل ربَّما يُفهم من بعض الأدلَّة أنَّ العلم هو المعمول به، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] والعلم الذي يورث الخشية هو العلم الذي عُمِلَ به، بل قد فُسِّرَ العلم النافعُ بأنَّه الخشية.
وتأمَّل قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] فإنَّه ذكر بعد عمل بعلم على حكم جزاء الشرط، وهو قوله تعالى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} [المجادلة:11] فأشعر أنَّ العلم هو المعمول به، وقال في الآية الأخرى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9] بعد قوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} [الزمر:9] فجعل هؤلاء هم العلماء، وأشار إلى أنَّهم أولوا الألباب.
وأمَّا الولاية فهي ضدُّ العداوة، فأولياء الله هم الذين تولَّاهم الله فصاروا أحبَّاءه؛ وذلك لأجل ما وصفهم به من الإيمان والتقوى، وهو بعينه الذي وصف الله به أهل العلم، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} إلى قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ} [فصلت:30 - 33] فالذين دعوا إلى الله هم العلماء، فالتَّعليم
ص 24
من جملة أعمالهم الصالحة، والدعاء إلى الله من نوافلهم التي يحبِّهم الله تعالى عليها حتَّى يبلغوا رتبة من تولَّاه، ويحوزوا أفضل ما وعدهم الله على لسان نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم في قوله: «إذا أحببته ... » إلخ، لكنَّ أصل ذلك كلِّه العلم؛ لأنَّ العمل إنَّما يكون عملًا صالحًا بشرط العلم بما يعمل، وإلَّا فليس بعملٍ؛ لأنَّ كلَّ عملٍ ليس عليه أمرُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه فهو مردود.
فإذًا العلم مع العمل متلازمان بحيث يكادُ يدخل كلُّ واحدٍ منهما في حدِّ الآخر، فلا يكون العلم علمًا في الشرع إلَّا بالعمل، ولا يكون العمل عملًا شرعًا إلا بالعلم، غير أنَّهما إنَّما يختلفان باللَّقب الغالب؛ لأنَّهم يسمُّون العالم من كان غالب أعماله العلم، والوليَّ من كان غالب أعماله الانقطاع إلى التَّعبُّد بغير العلم، فإذًا كلُّ عالمٍ وليٌّ لله، وكلُّ وليٍّ لله عالمٌ.
فإن قيل: ما ذكرته بالنسبة إلى الوضع الشرعيِّ صحيحٌ في الجملة، ولكن أيُّ الرتبتين أفضل؟
فالجواب: أنَّ النظر هنا من وجهتين:
أحدهما: من جهة الدليل الشرعيِّ في الجملة؛ وهو نقليٌّ ونظريٌّ.
فالنقليُّ كثيرٌ، وله فيه خصائص لا يوجد مثلها في الوليِّ، وكلُّ ما ثبت للوليِّ من الفضائل والخصائص فثابتٌ للعالم العامل بعلمه؛ لأنَّه وليٌّ لله.
وأمَّا النَّظريُّ فإنَّ طلب العلم والتَّعلم لما عدى الفرض من باب فرض الكفاية، فمن قام به فقد قام بفرضٍ، والانقطاع للعبادة من باب النفل، والفرض من وجهٍ لا يساوي النفلَ من كلِّ وجهٍ أبدًا.
ووجه ثان: وهو أنَّ صاحب العلم ينتفع به غيره، كما ينتفع هو بعلمه، وصاحب الولاية مقصور النفع على نفسه، ولا شكَّ أنَّ النَّفع المتعدِّي للغير خيرٌ من النَّفع القاصر.
ووجه ثالث: وهو أنَّ في زماننا هذا لا ينبغي أنْ يختلف في أنَّ طلب العلم فيه آكدُ من غيره لِمَن قدر عليه؛ لأنَّه زمان رفع العلم وظهور الجهل، فالعلم مظنَّةٌ لبقاء هداية الخلق، وإحياء السُّنَّة، واستقامة الأحوال، ولا علينا أَوجِدَ في الدنيا من انقطع للعبادة أم لا يوجد؟
@لابو احمد
ص 25
وإنْ كان كذلك؛ فالعالم أفضل من الوليِّ الذي لم يقعد في مرتبة العلماء.
والثاني: النظر بالنسبة والإضافة، وذلك أنَّ النَّاس في هذا المقام مختلفون، فمِن الناس مَن يصلح لطلب العلم أكثر ممَّا يصلح للانقطاع للعبادة، وبالعكس، فإذا كان لبعض الناس من العقل والحفظ والتهدِّي للفهم ما ليس عند غيره؛ تعيَّن عليه الأخذ فيه، وترك ما لم يبلغ ذلك المبلغ، ومَن لم يكن له ذلك التهدِّي والفهم، ولم يظهر فيه وجه نجابة العلم وتحصيله؛ كان طلب غيره أولى به، فإنَّ من الناس من يكون خطؤه أكثرَ من صوابه، ونسيانه أكثر من حفظه، لكنَّه يصلحُ للانقطاع إلى عبادة ربِّه، فهو في حقِّه أولى، وهذا الوجه في الحقيقة ليس بتفضيل لإحدى الرتبتين على الأخرى، بل هو نظر في مناطٍ هل يصلح لتنزيل حكم أم لا؟
فإن قيل: فإنَّ الناس قد فضَّلوا رتبة الولاية على رتبة العلم، ولم يجعلوا بينهما نسبة، منهم: أبو حامد الغزاليِّ رحمه الله وغيره بأنْ جعلوا أكثر أنواع العلم قاطعة في طريق الله، بل جعلوا الفقه الذي هو الفتاوى والأحكام، من علوم الدنيا لا من علوم الأخرة، كما كان الطبُّ والفلسفة والهندسة من علوم الدنيا، وإلى هذا فإنَّ الأولياء الذين خلَّصوا بواطنهم من التعلُّقات الدنيويَّة، وصارت قلوبهم كالمرائي الموجَّه بها شطر الحقِّ تظهر على أيديهم من المواهب والكرامات، ويكاشفون بعالم الملكوت العلويِّ والسفليِّ، فيشاهدون حقائق الأشياء على ما هي عليه، ويدركون عوالم الأرواح، والملائكة، والشياطين، والجنَّة والنار، وترتيب الأخرة على الدنيا، إلى غير ذلك ممَّا لا عين رأت، والعلماء لم يذكر عنهم من ذلك شيءٌ، فهل يستوي من كان عالمًا بجميع العلوم ولم يفتح له باب الخوارق مع من أتحف بهذه التحف، وأكرم بهذه الكرامات، وصار في عداد الملائكة أو كاد، وعلَّمه الله من لدنه علمًا لم يعلَّمه إلَّا من كان مثل هؤلاء، لا يشكُّ عاقلٌ أنَّ الأولياء
ص 26
أرفع منزلة، وأعلى مرتبة من غيرهم؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ ما ذكرتموه من الأحوال إنَّما هي نتائج الأعمال، والنتائج من حيث هي نتائج هباتٌ من الله تعالى معتبرة بمقدِّماتها؛ وهي الأعمال، فإنْ كانت الأعمال على الاستقامة، فالنتيجة صحيحة، وإنْ كان فيها خللٌ؛ فالنتائج على تلك النسبة، فلا ينظر عند القوم إلَّا إلى الأعمال وهو الذي طوَّقه المكلَّف، وإلى هذا فإنَّهم ينزلون الأحوال منزلة الأمور المحدثة العاديَّة؛ لأنَّها خلق من خلق الله تعالى فلا فرق عندهم بين جميع العوالم الظاهرة والباطنة، فمن هنا ليس من شأنهم السكون إليها، ولا أن تقصد أوَّلًا في السلوك؛ لأنَّ من شأنهم المثابرة على تخليص الأعمال من الشوائب كلِّها وإنْ دقَّت، ويرون أنَّ السكون إلى الكرامات، وسائر علوم المكاشفة نوعٌ من السكون إلى مخلوق من المخلوقات، فإنَّ الله تعالى أجرى عادته فيمن أخلص لله وصَدَقَ في التَّوجُّه إليه؛ أنْ يعجل له من علوم الآخرة نموذجًا علميًّا أو كشفيًّا أو ما شاء الله، تنتعش به النفس، ويرتاح له القلب، وزان ما خلق له في عوائده؛ كطيب الطعم وحلاوته، ولبس اللِّباس وحسنه، ولذَّة الوقاع وطيبه، كلُّ ذلك تابعٌ لما هو الأصل في هذه الأمور من إقامة الضروريَّات، فكأنَّ هذه الأمور المستطابة المستعذبة خادمةٌ للأمور الضروريَّة، فكذلك يرزق الله تعالى أهل التوجُّه إليه بالعبادة أنواعًا من الأمور المستلذَّة، لكنَّها تأتي في الغالب غرائب على خلاف المعتاد، تستعذبها النفس، ويزاد يقينها فيما هي فيه، فما ذكره الغزاليُّ من هذا القبيل إلَّا أنَّ لها شرطًا وهو: عدم السكون إليها رأسًا، فإنَّها كما تأتي تقوية لليقين تأتي ابتلاءً وتمحيصًا لينظر كيف تعملون، فإن قبِلها في موضعها ثم سكن إلى مهديها، شاكرًا له عليها، ومترقِّيًا بها؛ كان قد أصاب في قبولها، وإنْ سكن إليها وكلَّ إليها، وكانت استدراجًا والعياذ بالله.
وذلك على وزان النعم الدنيويَّة، وإذا ثبت هذا، فالأمور التي يكاشف بها
ص 27
الوليُّ من ملكوت السماوات والأرض داخلٌ تحت هذا التقرير، والمطلوب من العبد أنْ يكون على طريق الاستقامة حالة الوجد والفقد، فليس وجدانه لما وجد، وكشفه بما كشف به بزائد في درجته على الفاقد حتَّى يكون في وجدانه على الشرط المذكور، وعند ذلك يستوي مع العالم العامل بعلمه؛ لأنَّ العالم أيضًا إذا عمل بعلمه تحصل له تلك المرتبة على التمام والكمال، فكلُّ ما أثبته أبو حامد رحمه الله للوليِّ، يثبتُ للعالم من ظهور الكرامات، والاطِّلاع على ما شاء الله من العوالم، كانت من عوالم الدنيا أو الآخرة، والعلم يأبي له أنْ يسكن إلى المخلوقات أو يعتبرها إلَّا من حيث علَّمه العلم، فلا فرق بين السلوك بالعلم من جملة العبادات أو بين السلوك بسائر النوافل سوى العلم.
والوجه الثاني: أنَّ ما ذكروه من المواهب للوليِّ ليست على اللُّزوم بحيث يقال: لا بُدَّ لكلِّ سالكٍ أنَّ يوهب له تلك الأمور التي نصَّ عليها في كتابه على الخصوص، وليس في كلامه ما يدُّل عليه، بل نحن نعتقد أنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يبلغ أحد ممَّن بعدهم شأوهم في العلم والولاية، ولم ينقل عنهم من تلك الأمور التي أشار إليها شيءٌ إلَّا شيئًا من نوع الكرامات قليلًا، نعم؛ الذي جرت به العادة فيمن اتَّقى الله تعالى أنْ يضع في قلبه نورًا يفرِّق به بين الحقِّ والباطل في كلِّ شيء؛ وهو الفرقان الذي ذكر الله تعالى إذ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] وقال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة:269] وهذا النور من شأنه أنْ يخرق ظواهر الأشياء الظاهرة إلى بواطنها، ولأنَّه لو لم يخرق ذلك لما كان فرقانًا، ألا ترى أنَّ الأشياء ظواهر وبواطن، وقد تكون ظواهرها بخلاف بواطنها؟ فمن شأن هذا النور الموضوع في القلب أنْ يصل إلى بواطن الأشياء الظاهرة، فيرى صاحبه الحقَّ من الباطل فيها، وهذا الإدراك في الأشياء هو إدراكُ ملكوت الأشياء، وإليه _ والله أعلم _ الإشارةُ بقوله تعالى:
ص 28
{وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75] إلَّا أنَّ كلَّ واحدٍ وما فتح له، فالأنبياء عليهم السلام نالوا ذلك على التمام، ومن سواهم فعلى قدره.
وإذا تقرر هذا فكلُّ صاحب نِحلة أو صناعة أو علم إذا كان متَّقيًا لله تعالى عاملًا بما علِم؛ يفتح له من ملكوت ما هو فيه ما شاء الله أنْ يفتح له، فالصانع يرى ملكوت صناعته، والنحويُّ يرى ملكوت نحوه، والفقيه يرى ملكوت فقهه، وسائر الحرف والنِحل يرى أصحابها ملكوتها، ويكون هو الباب إلى رؤية ملكوت السماوات والأرض على حسب ما هيِّئ له في ذلك من قليل أو كثير، فلا يظنُّ الظانُّ أنَّ رؤية عالم الملكوت إنَّما يحصل على نوعٍ واحدٍ، ولا أنَّه مخصوصٌ بمن انقطع بالتعبُّد بالنوافل، بل رؤية عالم الملكوت أعمُّ ممَّا أخبروا به، وإنما الذي أخبروا به نوعٌ خاصٌّ من أنواعٍ لا تنحصر، وكذلك يرى أيضًا من انقطع إلى الله بطلب العلم أو تعليمه أو الاشتغال به، أو بالجهاد، أو بالصدقة، أو بأكثر ذلك، أو بجميعه.
والدليل على صحَّة هذه الجملة: أنَّ الصَّحابة رضوان الله عليهم أوَّل من نال هذه الرتبة، وسيرهم معلومة، ولم يكن فيهم من اختصَّ بالتعبُّد بالنوافل دون العلم، ولا بالعلم دون الجهاد، ولا بالجهاد دون النوافل، بل كانوا آخذين في الكلِّ، عاملين بكلِّ شعبة من شعب الإسلام، وكذلك من بعدهم ممَّن اشتهر بالولاية من التَّابعين وغيرهم، وقد كان الجنيد يفتي على مذهب أبي ثور، وكان الشبليُّ مُذكِّرًا يعقد المجالس ويتكلَّم على الناس، وكان الحارث المحاسبيُّ مَن قد علمت، إلى غير هؤلاء ممَّن اشتهر بأنَّه من أولياء الله، بل الشيخ أبو حامد قد شهد للأئمَّة الأربعة بأنَّهم ممَّن نال مِن علم الباطن ما ناله الأولياء، كما أنَّه لم يبلغنا عن أحدٍ من الصحابة أو من بعدهم إلمام بهذا النوع من الكشف الذي ذكر الشيخ أبو حامد، فيدلُّ على أنَّ الأمر أوسع ممَّا ذكره، وإنْ كان كذلك رجعنا إلى أولي الطرق في نيل مرتبة الولاية، وقد مرَّ أنَّه العلم، إلَّا أنَّ لذلك شرطًا وهو العمل به على التمام، وإنَّما يتفاوت الناس في الأخذ بهذا الشرط،
ص 29
فكثيرٌ من العلماء يجعلون مجرَّد العلم هو الوسيلة إلى النجاة، ولا يلتفتون إلى أنَّ «أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه» وعدم النفع به هو ترك العمل به، ولم تتفاوت مراتب علماء السَّلف مع علماء الخلف في الوصول إلى هذه الرتبة في الجملة إلَّا لتفاوتهم في العزيمة على أخذهم بهذا الشرط خاصَّة، ولأجل ترك كثير منهم لشرط العمل بعلمهم، تفوَّقت إليهم سهام النقد، وانطلقت فيهم ألسنة العتب، وأبو حامد رحمه الله من أشدِّهم في ذلك مبالغةً حتَّى جعل فقه الفروع والأحكام من علوم الدنيا، وإنَّما ذلك لما رأى في أهل زمانه من طلبهم الدنيا بالمال والجاه بعلم الفروع والجدل وغيرهما، ممَّا يقتضي الظهور على الخصوم، والغلبة في المناظرة، فلو أخذوا العلم بشرطه _ وهو العمل بما عملوا _ لكانوا هم الأولياء حقًّا، ولنالوا ما ناله أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
ولا يقال: إنَّ العوارض الصادَّة عن طريق الآخرة في رتبة العلم أعظم منها في رتبة الولاية، فلذلك قلَّما تجد عالمًا عاملًا بعلمه على شاكلة السَّلف الصَّالح، بخلاف طلب الآخرة بغيره فإنَّه أسهل لقلَّة العوارض فيه.
لأنَّا نقول: ليس كما زعمت، بل طلب الدنيا والمال والجاه وغير ذلك بدعوى رتبة الولاية مثلها بدعوى رتبة العلم، ولذلك تجد في القبيلين من الطُّلاب كثيرًا، ولا تجدُ منهم مَن تخلَّص بحكم الظاهر عن تلك الشوائب إلَّا قليلًا، فهما سواءٌ في هذا المعنى.
فالذي تخلَّص ممَّا تقدَّم: أنَّ الاشتغال بالعلم طلبًا وتحفُّظًا وتعليمًا ونشرًا إذا أخذ بشرطه؛ لا توازيه مرتبة الولاية أصلًا، فهذا ما ظهر تقييده بحسب الوقت والحال في المسألة المسؤول عنها، والله الموفِّق للصَّواب.
~مُجِلُّوهُمُ ومُكْرِمُوهُمْ لِرَبِّهِ وَخِيرَةِ رُسْلِهِ مُجِلٌّ وَمُكْرِمُ
روي مرفوعًا: «مَن وقَّر عالمًا فقد وقَّر ربَّهُ» وتوقيرهم في الحقيقة توقيرٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّهم أنصار دينه وخلفاؤه
ص 30
ونوَّابه.
قال أبو معاوية الضرير: أكلتُ مع هارون الرشيد يومًا ثمَّ صبَّ عليَّ رجلٍ لا أعرفه _ أي: لكونه ضريرًا _ فقال الرشيد: تدري مَنْ يصبُّ عليك؟
قلت: لا.
قال: أنا؛ إجلالًا للعلم.
فقلت: جزاك الله خيرًا يا أمير المؤمنين، فما أكرمتَ إلَّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
فقال: صدقت، إنَّما صببت على يدك؛ لأنَّها كفٌ عَنِيت بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ولمَّا أراد أنْ يقرأ على مالك «الموطَّأ» قعد بجانبه، وأمر وزيره جعفرًا أنْ يقرأ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين؛ هذا العلم لا يؤخذ إلَّا بالتواضع، وقد جاء في الخبر: «تواضعوا لمن تعلَّمون منه» ، فقام الخليفة وجلس بين يديه، فلم يزدد بذلك إلَّا رفعةً، وأثنى به على ممرِّ الزمان.
وفي «الإحياء» أخذ ابن عبَّاس بركاب زيد بن ثابت وقال: هكذا أُمرنا أنْ نفعل بالعلماء، قال العراقيُّ: رواه الطبرانيُّ والحاكم والبيهقيُّ إلَّا أنَّهم قالوا: هكذا نفعل.
وفي «العهود» : وينبغي لكلِّ مسلمٍ أنْ يُكرم علماء زمانه، ويجلَّهم، ويوقِّرهم، ولا يرى لنفسه قدرةً على مكافأتهم، ولو أعطاهم جميع ما يملك، وخدمهم عمره كلَّهُ، وهذا عهدٌ من المشايخ لنا.
وفي «الذهب الإبريز» عن شيخه: تعظيمهم يزيد في الإيمان، ولو عَلِمَ العامَّة قدر العلماء عند الله تعالى ما تركوهم يمشون على الأرض، ولتناوب أهل كلِّ حومةٍ العالم الذي فيهم، وحملوه على أعناقهم.