~عَنِ المَنْهَلِ الأَصْفَى ابْنِ غَازِي الَّذِي انْجَلَى جَنَى رَوْضِهِ الهَتُونِ لِلْكُلِّ يُطْعِمُ
هو محمَّد بن [محمَّد] بن عليِّ بن غازيٍّ العثمانيُّ المكناسيُّ، قال تلميذه الشيخ سيِّدي عبد الواحد الونشريسيُّ كما في «ذيل الديباج» : كان رحمه الله إمامًا، مقرئًا مجوِّدًا، صدرًا في القراءات، متقنًا فيها، عارفًا بوجوهها وعللها والراجح منها، طيِّب النغمة، قائمًا بعلم التَّفسير والفقه والعربيَّة، متقدِّمًا في الحديث، حافظًا له، واقفًا على أحوال رجاله وطبقاتهم، ضابطًا لذلك كلِّه، معتنيًا به، ذاكرًا للسِّيَر والمغازي والتواريخ والآداب، وفاق في ذلك كلَّ أهل زمانه، ولد بمكناسة الزيتون؛ أي: سنة ثمان وخمسين وثمان مئة؛ كما في «الروض الهتون» ، وانتقل إلى فاس واستوطن بالبليدة سنة إحدى وتسعين من المئة التاسعة وأميرها إذ ذاك أبو عبد الله محمَّد الحلو الوطاسيُّ، والسلطان أخو السلطان الشيخ لأبيه؛ لأمرٍ وقع بين الشيخ ابن غازيٍّ وبينه يطول ذكره، وكان أمير فاس إذ ذاك محمَّد ابن الشيخ ابن زكرياء.
قال الونشريسيُّ: وأَخَذَ العلم بمدينة فاس عن مشايخ أجلَّة؛ كالقَوْريِّ وغيره ممَّا تضمَّنه برنامج شيوخه، ألَّف في القراءة والحديث والفقه والعربيَّة والفرائض والحساب والعروض.
وغير ذلك تأليف في القراءات: «إنشاد الشريد في ضوال القصيد» تكلَّم فيه على الشاطبيَّة.
وفي الحديث: «حاشية على البخاريِّ» في أربعة
ص 140
كراريس وهي أنزل تآليفه، واستنبط من حديث: «أبا عمير ما فعل النغير» بمئتي فائدة.
وفي الفقه: «شفاء الغليل في حلِّ مقفل خليل» بيَّن فيه مواضع الهفوات الواقعة لبهرام، ومواضع مشكلة من المختصر، وهو من أحسن الموضوعات عليه مشهورٌ ومتداولٌ شرقًا وغربًا، و «تكميل التقييد» على المدوَّنة، كمَّل به تقييد أبي الحسن الزرويليِّ، و «تحليل التعقيد» حلَّ به مواضع مشكلة من كلام ابن عَرَفة في ثلاثة أسفارٍ كبارٍ، ونظم مشكلات الرسالة.
وفي العربية: «حاشية الألفيَّة» مفيدةٌ: نبَّه فيها على مواضع من كلام المراديِّ مع نقل زوائد الشاطبيِّ وتحقيقاته العجيبة.
وفي الفرائض: «الجامع المستوفى لجداول الحوفيِّ» .
وفي الحساب: «المنيَّة» وشرحها.
وفي العروض: «ذيل الخزرجيَّة» وكان يُقَطعُ يومًا قوله:
~البطن منها خميص والوجه مثل الهلال
فدخل عليه بعض العامَّة وكان من شعرائهم، فزاد العامِّيُّ المذكور فقال:
~والثغر منها شنبيب والريق مثل المصال
~والطرف منها كحيل واللحظ مثل النصال
وفي التاريخ: «الروض الهتون» و «فهرسة» في شيوخه.
قال الونشريسيُّ: ووَلِيَ الخطابة بمكناسة الزيتون، ثمَّ بالمدينة البيضاء من فاس، ثم وَلِيَ آخر الخطابة والإمامة بجامع القرويِّين من فاس، ولم يكن في عصره أخطب منه، وكان يسمع في كلِّ شهر رمضان «صحيح البُخاريِّ» إلى أنْ قال: وبالجملة هو آخر المقرئين وخاتمة المحدِّثين، ولم يزل باذل النصيحة للمسلمين، محرِّضًا لهم في خُطَبه ومجالس إقرائه على الجهاد، والاعتناء بأموره، حضر فيه بنفسه مواقف عديدة، ورابط مرَّاتٍ كثيرة، وخرج في آخر عمره لقصر كتامة؛ بقصد الحراسة، فألمَّ به مرضٌ، فآب لفاس، واستمرَّ بها مرضه إلى أن توفِّي بها إثر صلاة الظهر من يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسع مئة، ودُفِنَ بالموضع المعروف بالكغادين من عدوة فاس الأندلس صبيحة يوم الخميس التالي له، واحتفل النَّاس لحضور جنازته احتفالًا عظيمًا حضرها السلطان، ووجوه دولته.
وقال
ص 141
صاحب «الدوحة» : إنَّ بعض الفضلاء حدَّثه أنَّه _أي: الشيخ ابن غازيٍّ _: حرَّك معه السلطان أبا عبد الله محمَّد الوطاسيَّ؛ للإغارة على الكَفَرة بأصيلا يومئذٍ، فاعتراه مرضٌ في إيابه، وكان السلطان المذكور أمَّر على الشيخ الوليِّ سيِّدي أبي محمد الغزوانيِّ في تلك السفرة بموضع تاجنوت، وأمر بإِشخاصِه إلى فاس، فرجع إليها في سلسلة، وكان الشيخ ابن غازيٍّ حملوه مريضًا إلى منزله بفاس، فلمَّا وصل إلى مقربة عقبة المساجن من حوز فاس؛ اشتدَّ به الحال فأمر أصحابه أنْ يريحوا به هناك، بينما هو كذلك إذ مرَّ بهم الشيخ سيِّدي أبو محمَّد الغزوانيُّ مع السنانريَّة، فلمَّا رآه؛ سأل من السنانرية أن يميلوا به إليه حتَّى يعوده ففعلوا، فلمَّا وقف عليه؛ طلب الشيخ ابن غازيٍّ منه الدعاء له، فدعا له وانصرف، فلمَّا غاب عنه؛ قال ابن غازيٍّ لأصحابه: احفظوا وصيتي، فإنِّي راحلٌ عنكم إلى الله تعالى بلا شكٍّ، فقالوا له: يا سيِّدي؛ ما عندك إلَّا الخير ولا بأس عليك، فقال: إنَّ الله وعدني ألَّا يقبض روحي حتَّى يُريني وليًّا من أوليائه، وقد أراني إيَّاه السَّاعة، فدلَّني على انقضاء الأجل، فحملوه من ساعته إلى منزله، فكان ذلك آخر العهد به.
وقال الشيخ العلَّامة الحيسوبيُّ أبو عبد الله الصبَّاغ: ومن الاتِّفاق الغريب أنَّ وفاته وقعت باعتبار التامِّ من السنين في مجموع حروف جدِّه الأعلى الذي انتسب إليه؛ لأنَّ مجموع حروف غازيِّ بحساب الجمل ثمانية عشر وتسع مئة.
وقال صاحب «الدوحة» أيضًا في (ترجمة سيِّدي أحمد زروق) ما نصُّه: غريبةٌ في شأنه: طلب منه الشيخ ابن غازيٍّ أن يُجِيبَه إلى منزله في جملة أصحابه، واستأذنه أن يصنع لهم طعامًا كثيرًا، فأذن له في ذلك، وقال له: انتظرنا بعد صلاة العشاء الأخيرة، فلمَّا جاء الوقت؛ وقف الشيخ ابن غازيٍّ بباب داره ينتظر القوم إذ جاءه الشيخ أبو العبَّاس وحدَه، فقال ابن غازيٍّ: يا سيِّدي؛ وأين أصحابك؟ فقد جعلنا طعامًا كثيرًا وخِفْنَا على فساده، فقال سيِّدي زروق: يصلح إن شاء الله ولا يفسد، ثمَّ قال له: هاتِ ما عندك من
ص 142
الطعام، فأمر ابن غازيٍّ بإتيانه فقُرِّب إليه، فقال أبو العبَّاس: وسِّعْ عنَّا هؤلاء الخدَّام حتَّى لا يبقى إلَّا أنا وأنت، فخرج الخدَّام وشمَّر عن ذراعيه، وصار يرفع الطعام بيديه جميعًا ويجعله خلفه، ومع كلِّ حفنةٍ من الطعام قطعة لحمٍ، فسمع الشيخ ابن غازيٍّ ضجَّةً وراء أبي العبَّاس، فنظر، فإذا بخلقٍ كثيرٍ ما بين ضعفاءٍ وصبيانٍ ونساءٍ، وكلُّ واحدٍ منهم يمدُّ يديه ويقول: يا سيِّدي؛ أعطني، وهم في براحٍ واسعٍ، حتَّى قسم عليهم ذلك الطعام كلَّه، فقال لابن غازيٍّ: هل بقي من طعامك شيءٌ؟ فقال: لا يا سيِّدي، فغسل يديه رحمه الله، فتعجَّب ابن غازيٍّ وقال له: يا سيِّدي؛ هذه كرامةٌ من كرامات الأولياء؟ فقال: اِحمدِ الله الذي أراك إيَّاها، فقال له ابن غازيٍّ: سألتك بالله يا سيِّدي من أولئك الخلق؟ ومن ذاك البراح؟ فقال: هم ضعفاء مدينة تونس قد مسَّتهم الحاجة، وذلك البراح هو صحن جامع الزيتون، حَدَّثَ بذلك عنه الشيخ ابن غازيٍّ رحمهما الله.
وقال الشيخ الأستاذ الأديب أبو عبد الله محمَّد الكفيف فيه:
~خبر تثبت والإنصاف شيمته أكرم به طابَ مِنْ خَلق ومن خُلُق
~أتى به الدهر فردًا لا نظير له مثل البُخاريِّ لما جاء بالعتق
وذيَّلهما الترغيُّ بقوله:
~وذا بسادس أبواب تقيَّد في تفسير يوسف من جامع [الحبى]