ولا يمكن أن يكون الاتصال المباشر وثيقًا بمثل هذه الدرجة بين القائد ورجاله في أيام السَّلام والحرب معًا، حتى في الجيوش الحديثة لكل الأمم بدون استثناء، وعلى هذا يكون التعارف بينهم وثيقًا إلى أبعد الحدود.
كما كان يجري إحصاء الجند وتسجيلهم بالأسماء في ديوان الجند الذي يطلق عليه: (الديوان ) وبموجب هذا الديوان يتقاضى الجند أعطياتهم ما داموا على قيد الحياة، فإذا قتلوا رُقِّن قيدهم في الديوان، وهذا الديوان إحصاء دقيق للجند وهم أحياء، وإحصاء دقيق لهم إذا قتلوا، وطالما سمعنا القائد يقول: (( بلغ ديواني مائة ألف ) ) (7) وهكذا.
وقبل المعركة يستعرض القائد الجند، فيسأل عن رجلٍ رجلً، من هو؟ وما هي قبيلته، وعن حاله وسلاحه، فإذا مرَّ الجندي بالقائد العام بحضور قائده المرؤوس رمى بسهم في مكان معين ثم مضى إلى سبيله.
فإذا نشب القتال ثم انتهت المعركة استعرض القائد العام الجنود من جديد، فيأخذ كل جندي بعد استعراضه سهمًا واحدًا، وبعد انتهاء العرض يبقى عدد من الأسهم في مكانها المعين لم يأخذها أحد، وهي بعدد القتلى الذين سقطوا في المعركة من الشهداء.
وهذا الاستعراض إحصاء بالغ الدقة لتعداد الجنود قبل المعركة، وتعدادهم بعد المعركة، وتعداد خسائرهم من جراء القتال، هذا بالإضافة إلى تعدادهم بالديوان، ومعرفة كل قائد ـ وخاصة العرفاء ـ تعداد جنوده الذين شهدوا المعركة وعدد خسائره من الجنود في القتال، وأخيرًا فإن العريف مسؤول عن ترقين أسماء الشهداء من الديون بعد المعركة، لتتوقف أعطياتهم وتنقل إلى أهليهم الأحياء.
فإذا لم تكن كل هذه الإجراءات الدقيقة كفيلة بمعرفة تعداد الذين شهدوا المعركة، وتعداد الخسائر بدقة متناهية، فلا نعرف كيف يتم الإحصاء الدقيق !!
وما يقال عن تعداد المقاتلين العرب والمسلمين، يقال عن تعدد المقاتلين من الروم والفرس.