لم تجحد أمة من الأمم قادتها العسكريين، كما جحدت الأمة العربية والإسلامية قادتها العسكريين، فقد لاقى القادة العرب والمسلمون عقوقًا وجحودًا من أمتهم بشكل منقطع النظير بين سائر الأمم الأخرى.
وقد عكف المؤلفون القدامى من العرب والمسلمين، على تأليف كتب الطبقات من كل صنف ونوع، إلا القادة العسكريين، فلم يكن لهم نصيب أي نصيب في كتب الطبقات على الرغم من كثرتها وتعدد أصنافها وأنواعها بما لا مزيد عليه.
فهناك كتب طبقات المحدثين، وكتب طبقات المفسرين، وكتب طبقات الفقهاء في شتى المذاهب الإسلامية، وكتب طبقات الأدباء، وكتب طبقات الشعراء، وكتب طبقات النحاة، وكتب طبقات الصوفية، وكتب طبقات الأطباء، وحتى كتب طبقات المغنِّين ... وغيرهم كثير . .
أما كتب طبقات القادة العسكريين، فلا ذكر لهم في كتب الطبقات!!! وربما يزعم من يزعم، أن ذكر القادة العسكريين العرب المسلمين قد ورد في المصادر التاريخية وطبقات المحدِّثين وغيرها من المصادر الأخرى ولكن ما ورد عنهم في تلك المصادر نزر قليل من جهة، وموزع على عشرات المصادر من جهة أخرى، وكل مصدر يذكرهم بالنسبة لاختصاص ذلك المصدر فحسب.
ولا أعتقد أن كتب مصادر الطبقات التي دونت تاريخ الرجال العرب المسلمين الأعلام، من مختلف الصنوف والأنواع في مختلف العلوم والآداب والفنون، أكثر أهمية من القادة العسكريين عامة، وقادة الفتح الإسلامي وقادة استعادة الفتح الإسلامي خاصة، لأنهم فتحوا البلاد وحملوا الإسلام إليها بالفتح، ولم يحملوهم على الإسلام بذلك الفتح، ولأنهم نشروا اللغة العربية في البلاد المفتوحة، فلم يمض زمن قصير إلا ونبغ من سكان البلاد المفتوحة علماء أعلام في العربية يتعلمون بها ويعلمون، ويكتبون بها ويؤلفون، ويخطبون بها ويتكلمون.
وهذه الأعمال الباهرة التي قدمها القادة العرب المسلمون لعقيدتهم ولغتهم وأُمتهم، ينبغي أن تذكر لهم بكثير من العرفان، وتسجل في سيرة كل واحد منهم بالفخر والاعتزاز، في صفحات مشرقة بالنور من صفحات الرجال الأفذاذ.