ومسودة المؤلف إن ورد نص تاريخي على أنه لم يخرج غيرها، كانت هي الأصل، وأن لم يرد نص كانت مرتبة النصوص الأولى، ما لم تعارضها المبيضة، فإنها تكون في مرتبة النصوص الأولى، لأن مبيضة المؤلف هي الأصل الأول، وإذا وجدت معها مسودة كانت أصلًا ثانويًا لتصحيح القراءة فحسب.
على أن وجود نسخة للمؤلف لا يدلنا دلالة قاطعة على أن هذه النسخة هي النسخة عينها التي اعتمدها المؤلف، لأن قسمًا من المؤلفين يؤلف كتابه أكثر من مرة، لهذا فإن نسخة المؤلف قد تتكرر، ولا يمكن القطع بها ما لم ينص هو عليها.
وضح مما سبق أن منازل النسخ هي: نسخة المؤلف، ثم النسخة المنقولة منها، ثم فرعها وفرع فرعها، وهكذا.
ومن البديهي أنه لا يمكن بوجه قاطع أن نعثر على جميع المخطوطات التي تخص كتابًا واحدًا إلا على وجهٍ تقريبي، فهما يجهد المحقق نفسه للحصول على أكبر مجموعة من المخطوطات، فإنه سيجد وراءه معقبًا يستطيع أن يظهر نسخًا أخرى من المخطوطات، وحسب المحقق أن يبذل قصارى جهده في العثور على أكبر عدد من المخطوطات لكتابه الذي يزمع تحقيقه، والكمال لله وحده.
أصل التحقيق من قولهم: حقَّقَ الرجلُ القولَ: صدقه أو قال: هو الحق. والجاحظ يسمي العالم المحقق: محقًا، قال: (( إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلا وفيه علماء محقون قرأوا كتب من تقدمهم ودارسوا أهلها ) )، والإحقاق: الإثبات، يقال: أحققت الأثر إحقاقًا، إذا أحكمته وصححته.
والتحقيق يشمل: تحقيق عنوان الكتاب، وتحقيق اسم المؤلف، وتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وتحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربًا لنص مؤلفه.