وإذا لم يستطع الذين يعيدون كتابة معارك الفتوح وغيرها من المعارك، أن يحتفظوا بالحقائق التاريخية، ويحافظوا على أصالتها، فما أعادوا كتابة تاريخ تلك المعارك، بل مسخوا تاريخه مسخًا وشوهوها تشويهًا، والأفضل لهم وللمسلمين وللتاريخ أن يُريحوا ويستريحوا.
ومن الصعب جدًا أن نقارن بين معركة إسلامية جرت قبل أربعة عشر قرنًا، وبين معركة حديثة جرت في الحرب العالمية الثانية (1358هـ ـ 1365هـ ) أي (1939م ـ 1945م) ، من ناحية التفاصيل والأساليب القتالية المتغيرة أبدًا، وزجّ هذه المقارنة بمناسبة وبدون مناسبة في مثل هذا الموقف خطأ لا مسوِّغ له في أي حال من الأحوال.
والذي يقعون في مثل هذا الخطأ، يحسبون أنهم يحسنون صُنْعًا، بحجة أنهم يثبتون سبق المسلمين في هذا الميدان، وما أحسنوا بل أساؤوا إساءة بالغة، لأنهم جعلوا من العسكرية الإسلامية ذنبًا للعسكرية الأجنبية، وهي ليست ذنبًا بل رأسًا، وقد يقتبس الحديث من القديم، والعكس ليس صحيحًا بل مستحيلًا.
كما أن العسكرية الإسلامية رائدة لأنها استطاعت فتح بلاد شاسعة تضم في الوقت الحاضر سبعًا وثمانين مملكة وجمهورية وإمارة ومشيخة ومستعمرة في آسيا وأوروبا وإفريقية، ولو لم تكن عسكرية رائدة لما استطاعت بمثل هذه السرعة المذهلة تحقيق كل هذه الانتصارات السريعة الحاسمة الباهرة الباقية.
ولست أجهل أن حسن النية وإسباغ المفاخر على المعارك الإسلامية حبًا في العرب والمسلمين من أسباب الوقوع في هذا الخطأ الشنيع.
ولكنني أخشى أن تكون من أسبابه ابتلاء عقول قسم من الذين أعادوا كتابة تاريخ الفتوح الإسلامية من عسكريين ومدنيين عربًا ومسلمين بالاستعمار الفكري البغيض، وانْبهارهم الخطر بالعسكرية الأجنبية، واعتمادهم في إعادة كتابة تاريخ المعارك الإسلامية على المصادر الأجنبية وحدها.
إن المطلوب من الذين يعيدون كتابة تاريخ المعارك الإسلامية، المحافظة على حقائق التاريخ وأصالة المعارك، بأسلوب حديث ومنهج واضح.
والمطلوب منهم أن يبقوها عربية إسلامية، ولا يمسخوها أعجمية أجنبية!!