وقد يقال: كيف نترك ذلك الخطأ يشيع، وكيف نعالجه؟
إن المحقق إن فطن إلى شيء من ذلك الخطأ، نبَّه عليه في الحاشية أو في آخر الكتاب، وبين وجه الصواب فيه، وبذلك يحقق الأمانة، ويؤدي واجب العلم.
ويجب أن يستشعر المحقق الحذر الكامل في تحقيق الآيات القرآنية، وإلا يركن إلى أمانة غيره في ذلك مهما بلغ قدره.
وإبقاء النص القرآني المحرف كما هو في الصلب، فيه مزلة للأقدام، فإن خطر القرآن الكريم يجل عن أن نجامل فيه مخطئًا، أو نحفظ فيه حق مؤلف لم يلتزم الدقة فيما يجب عليه فيه أن يلزم غاية الحذر.
واختبار النصوص القرآنية لا يكفي فيها أن نرجع إلى المصحف المتداول، بل لابد فيه من الرجوع إلى كتب القراءات السبع، ثم العشر، ثم الأربع عشرة، ثم كتب القراءات الشاذة، وفي كتب التفسير يلجأ إلى تلك التي تُعنى عناية خاصة بالقراءات، كتفسير القرطبي وأبي حيان.
وأما نصوص الحديث، فيجب أن تختبر بعرضها على مراجع الحديث، لقراءة نصها وتخريجها إن أمكن التخريج.
وهذا أيضًا هو واجب المحقق إزاء كل نص من النصوص المضمنة، من الأمثال والأشعار ونحوها، فيجب أن يتجه إلى مراجعها، ليستعين بها في قراءة النص وتخريجه إن أمكن التخريج.
وهذا الضروب الثلاثة من النصوص، هي أخطر ما يجب فيه الدقة والحرص والتريث، وليس معنى ذلك أن نستهين بغيرها، ولكن معناه أن نبذل لها من اليقظة، ونستشعر لها من الحرص، ما يعادل خطرها البالغ.
إن التحقيق أمر جليل، وإنه يحتاج من الجهد والعناية إلى أكثر مما يحتاج إليه التأليف، وتحقيق النصوص محتاج إلى مصابرة وإلى يقظة علمية، وإلى سخاء في الجهد الذي لا يضن على الكلمة الواحدة بيوم واحد، أو أيام معدودات.