وأنا لا أنسى أول ما سكنت في القاهرة وكنت أسكن في مقابل القرافة الصغرى في القاهرة وهذه القرافة الصغرى مقابر جماعية على مساحة كبيرة من الأرض عندما كنت أسمع صراخًا أذهب إلي النافذة وأنظر فأجدهم ينزلون الميت من السيارة ويحملون الخشبة ونازلين على المقبرة، كل هذا وأنا استحضر الأحاديث كحديث البراء بن عازب وهذا الرجل ماذا يري ولما أغلقت عليه المقبرة كيف حاله الآن واستحضر منكر ونكير والسؤال وأجاب أم لا؟ كان فاسقًا أم كان مطيعًا، كل هذه الأفكار كانت تأتيني ولا أغادر النافذة أبدًا إلا بعد أن ينصرف المشيعون لهذا الميت، ثم أعول ليس لي قابلية للطعام ولا للشراب وحزين وأظل يوم ويومين لا انتفع بنفسي.
كانوا يدفنون في اليوم تقريبًا في حدود ثلاثة أو أربعة أو خمسة جنازات هذا في الوقت الذي كنت فيه في المسكن وقت الدفن، هذه المسألة استمرت معي شهر ثم بدأت تخف وصرت قليل الذهاب إلى النافذة، أسمع الصراخ أعرف أنهم سيدفنون ميت صارت قدمي ثقيلة للذهاب إلى النافذة، شيئًا فشيئًا لم يعد عندي الإحساس القديم الإحساس الأول بهذه الغربة والمشاعر التي ذكرتها سابقًا
ثم بعد ذلك رصفوا الطرق ما بين المقابر لاختصار المسافات بين الطرق الكبرى، فكنت أمر من وسط المقابر أقول الدعاء صحيح لكن لا يهتز قلبي مثلما كان يهتز في المرة الأولى، فما السبب في هذه القضية؟ إلف العادة تعودت أنني كل يوم أري عدة موتي هل الحانوتي ليس له قلب، هل قلبه كتلة من حجر.
الحانوتي اليوم يدخل كما رأيناه ويخرج من المقبرة يستهزئ بالميت، وهناك حانوتي ذات مرة قال أنا ضربت الميت على قفاه كلما عدلته يعوج فضربه على قفاه أتعدل يا أخي، فكيف يفعل شيء كهذا إلا بإلف العادة المستمرة، فإلف العادة أخطر مرض يضرب القلب.