وأقدّم على سياقة هذه التواريخ مقدمة يستدل منها على تنقل أحوال التواريخ، ليتعرف بها ما قد عراها من الفساد وعرض فيها من الشبه، وأذكر فيها خطط الأمم الكبار من وجه الأرض ومحال الأمم الصّغار فيما بينهم، ليبين منها اقتدار بعضهم على بعض، وانتساخ دول بعضهم عند انتهاء زمانها بإقبال دول قوم آخرين، حتى صارت هذه الحوادث سببا لفساد التواريخ. ثم أذكر على اقتصاص ما في الأبواب التي قدّمت ذكرها وأقفل الأبواب العشرة بباب يحوي فنونا من أسباب التّواريخ، لم يصلح أن يتلبس بما في الأبواب المتقدّمة ان شاء اللّه عزّ وجلّ.
واعلم أن المسكون من ربع الأرض على تفاوت أقطاره مقسوم بين سبع أمم كبار وهم: الصين والهند والسودان والبربر والروم والترك والأريان. فالأريان من بينهم، وهم الفرس، في وسط هذه الممالك، وقد أحاطت بهم هذه الأمم الستّ لأن جنوب مشرق الأرض في يد الصين، وشماله في يد الترك، ووسط جنوب الأرض في يد الهند، وبحذائهم الروم في وسط شمال الأرض، والسودان في جنوب مغرب الأرض، وبإزائهم البربر في شمال مغرب الأرض. فهذه الممالك الستّ موقعها كلها في أطراف عمران الأرض حوالي مملكة الأريان في الوسط بينهم. ولهذه الأمم السّبع تواريخ لسني ملك ملوكهم بينها في تنسيق السنين وبين عمر ما مضى من أيام الدنيا وما يذكر من ابتداء التناسل تفاوت كثير، تروي كل أمة منهم حكاية من يليها باطلة كحلم النائم.
وأنا أقتصّ من أقاويل هذه الفرق جملا تغني عن التفصيل، ثم أتبع ذلك بالأبواب المجردة للتاريخ، فأحكيها تقليدا لرواتها فأقول: إن الناس على وجه الدهر إنما عرفوا الشهور في عنفوان الزمان، من