فهرس الكتاب
وتوعدهم بالجلاء كما أخبر عنهم في سورة هود فقال { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} والمناسبة هناك والله أعلم أنهم لما تهكموا به في قولهم {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ} الآية فجاءت الصيحة فأسكتتهم، وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} الآية.
فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام {فأصبحوا في دراهم جاثمين} ثم قال تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ثم قال تعالى مقابلًا لقيلهم {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} .
{فَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىَ عَلَىَ قَوْمٍ كَافِرِينَ}
أي فتولى عنهم شعيب عليه السلام بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعًا لهم وموبخًا {يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} أي قد أديت إليكم ما أرسلت به فلا آسف عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به فلهذا قال {فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}
{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مّن نّبِيّ إِلاّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضّرّآءِ لَعَلّهُمْ يَضّرّعُونَ ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّىَ عَفَوْاْ وّقَالُواْ قَدْ مَسّ آبَاءَنَا الضّرّآءُ وَالسّرّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}
يقول تعالى مخبرًا عما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء بالبأساء والضراء، يعني بالبأساء ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} ، أي يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم، وتقدير الكلام أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا فما فعلوا شيئًا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه، ولهذا قال {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} أي حولنا الحالة من شدة إلى رخاء ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ومن فقر إلى غنى ليشكروا على ذلك فما فعلوا، وقوله: {حَتَّى عَفَوْا} أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، يقال عفا الشيء إذا كثر.
{وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} يقول تعالى: ابتليناهم بهذا وهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ولا انتهوا بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يتفطنوا لأمر الله فيهم و لا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال