فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 2760

علمتم ما دعاكم إليه {وَلاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} قيل: المراد المشركون واختاره ابن جرير, وقال ابن إسحاق هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك, ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة فقال {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ} أي عن سماع الحق {الْبُكْمُ} عن فهمه ولهذا قال {الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا, ولهذا شبههم بالأنعام في قوله {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} الآية, وقال في الآية الأخرى {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} وقيل المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش روي عن ابن عباس ومجاهد واختاره ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق هم المنافقون, قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا لأن كلًا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح, ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح لو فرض أن لهم فهمًا فقال {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ} أي لأفهمهم وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي أفهمهم {لَتَوَلَّوْا} عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه.

{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

قال البخاري {اسْتَجِيبُواْ} أجيبوا {لِمَا يُحْيِيكُمْ} لما يصلحكم. حدثني إسحاق حدثنا روح حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال كنت أصلي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال:"ما منعك أن تأتيني ؟ ألم يقل الله {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ للّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} ـ ثم قال: ـ لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج"فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له. وقال معاذ: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم سمع أبا سعيد رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا وقال {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني. هذا لفظه بحروفه وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة. وقال مجاهد في قوله {لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال للحق, وقال قتادة {لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال هو هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة وقال السدي {لِمَا يُحْيِيكُمْ} ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر, وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل, وقواكم بها بعد الضعف, ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} , قال ابن عباس يحول بين المؤمن وبين الكفر وبين الكافر وبين الإيمان, رواه الحاكم في مستدركه موقوفًا, وقال صحيح ولم يخرجاه, ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعًا, ولا يصح لضعف إسناده والموقوف أصح, وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي, وفي رواية عن مجاهد في قوله {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} أي حتى يتركه لا يعقل, وقال السدي يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه. وقال قتادة هو كقوله {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وقد وردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت