فهرس الكتاب
أقاتل رجلًا يقول لا إله إلا الله أبدًا. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلًا يقول لا إله إلا الله أبدًا, فقال رجل ألم يقل الله {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} ؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه, وقال الضحاك عن ابن عباس {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} , يعني لا يكون شرك, وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم, وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير, وغيره من علمائنا, حتى لا تكون فتنة, حتى لا يفتن مسلم عن دينه, وقوله {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} قال الضحاك: عن ابن عباس في هذه الآية, قال يخلص التوحيد لله, وقال الحسن وقتادة وابن جريج {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أن يقال لا إله إلا الله, وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله, ليس فيه شرك, ويخلع ما دونه من الأنداد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} , لا يكون مع دينكم كفر, ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أمرت أن أقاتل الناس, حتى يقولوا لا إله إلا الله, فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم, إلا بحقها, وحسابهم على الله عز وجل"وفيهما عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية, ويقاتل رياء, أي ذلك في سبيل الله عز وجل ؟ فقال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل".
وقوله {فَإِنِ انْتَهَوْا} أي بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفوا عنه, وإن لم تعلموا بواطنهم {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} , كقوله {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} , الآية, وفي الآية الأخرى {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} , وقال {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة, لما علا ذلك الرجل بالسيف, فقال لا إله إلا الله فضربه فقتله, فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأسامة:"أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ فقال يا رسول الله, إنما قالها تعوذًا, قال:"هلا شققت عن قلبه ؟"وجعل يقول ويكرر عليه,"من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟"قال أسامة حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ, وقوله {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} , أي وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم فاعلموا أن الله مولاكم, وسيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير. وقال محمد بن جرير حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا أبان العطار حدثنا هشام بن عروة عن عروة أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء فكتب إليه عروة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنك كتبت إلي تسألني, عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, وسأخبرك به, ولا حول ولا قوة إلا بالله, كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة, أن الله أعطاه النبوة, فنعم النبي ونعم السيد ونعم العشيرة, فجزاه الله خيرًا, وعرفنا وجهه في الجنة, وأحيانًا على ملته وأماتنا وبعثنا عليها, وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه, وكانوا يسمعون له, حتى إذا ذكر طواغيتهم, وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال, أنكر ذلك عليه ناس واشتدوا عليه, وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم, فانعطف عنه عامة الناس, فتركوه إلا من حفظه الله منهم, وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث, ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم, فكانت فتنة شديدة الزلزال, فافتتن من افتتن وعصم الله ما شاء منهم, فلما فعل ذلك بالمسلمين, أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة, وكان بالحبشة"