فهرس الكتاب

الصفحة 1199 من 2760

خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوز, واستقبل عدوًا كثيرًا فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم, فأخبرهم وجهه الذي يريد, والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير, لا يجمعهم كتاب حافظ ـ يريد الديوان ـ قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل, وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أصعر, فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه, فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا, فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر بالناس الجد, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئًا, ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت, ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذره الله عز وجل, ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك, فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"ما فعل كعب بن مالك"فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه, فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلًا من تبوك, حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب, وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي, فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا, زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا, فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس, فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلًا, فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى, حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب, ثم قال لي"تعال"فجئت أمشي حتى جلست بين يديه, فقال لي:"ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرًا"فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر, لقد أعطيت جدلًا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي, ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل والله ما كان لي عذر, والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك"فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون, فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك, قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي, قال ثم قلت لهم هل لقي معي هذا أحد ؟ قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت, وقيل لهما مثل ما قيل لك, فقلت فمن هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي, فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا لي فيهما أسوة, قال: فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه, فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت