فهرس الكتاب
{وَلَمّا دَخَلُواْ عَلَىَ يُوسُفَ آوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنّيَ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين, وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته, وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان, واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له, وعرفه أنه أخوه, وقال له: لا تبتئس, أي لا تأسف على ما صنعوا بي, وأمره بكتمان ذلك عنهم, وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه, وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرّمًا معظمًا.
{فَلَمّا جَهّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمّ أَذّنَ مُؤَذّنٌ أَيّتُهَا الْعِيرُ إِنّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}
لما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعامًا, أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية, وهي إناء من فضة في قول الأكثرين, وقيل: من ذهب, قال ابن زيد, كان يشرب فيه, ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك, قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد, وقال شعبة عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: صواع الملك, قال: كان من فضة يشربون فيه, وكان مثل المكوك, وكان للعباس مثله في الجاهلية, فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد, ثم نادى مناد بينهم {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فالتفتوا إلى المنادي وقالوا {مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} أي صاعه الذي يكيل به {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} وهذا من باب الجعالة, {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وهذا من باب الضمان والكفالة.
{قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}
لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة, قال لهم إخوة يوسف {تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ} أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا, لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا {مّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنّا سَارِقِينَ} أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة, فقال لهم الفتيان {فَمَا جَزَآؤُهُ} أي السارق إن كان فيكم {إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} أي: أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه ؟ {قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ} وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام, أن السارق يدفع إلى المسروق منه, وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام, ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه, أي فتشها قبله تورية, {ثُمّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم, وإلزامًا لهم بما يعتقدونه, ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله