فهرس الكتاب
ويرضاه, لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.
وقوله: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره, وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه, وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم, ولهذا مدحه الله تعالى فقال: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ} كما قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} الآية, {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل, وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري, عن عبد الأعلى الثعلبي, عن سعيد بن جبير, قال: كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب, فتعجب رجل فقال: الحمد لله فوق كل ذي علم عليم, فقال ابن عباس: بئس ما قلت: الله العليم فوق كل عالم, وكذا روى سماك عن عكرمة, عن ابن عباس {وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} قال: يكون هذا أعلم من هذا, وهذا أعلم من هذا, والله فوق كل عالم, وهكذا قال عكرمة, وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم, حتى ينتهي العلم إلى الله, منه بدىء, وتعلمت العلماء, وإليه يعود, وفي قراءة عبد الله, وفوق كل عالم عليم.
{قَالُوَاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرّ مّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}
وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ} يتنصلون إلى العزيز من التشبه به, ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل, يعنون به يوسف عليه السلام. قال سعيد بن جبير, عن قتادة: كان يوسف عليه السلام قد سرق صنمًا لجده أبي أمه فكسره, وقال محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق, وكانت أكبر ولد إسحاق, وكانت عندها منطقة إسحاق, وكانوا يتوارثونها بالكبر, فكان من اختبأها ممن وليها كان له سلمًا لا ينازع فيه, يصنع فيه ما يشاء, وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته, وكان لها به وله, فلم تحب أحدًا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات, تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام, فأتاها فقال: ياأخية سلمي إليّ يوسف, فو الله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: فو الله ما أنا بتاركته, ثم قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه, وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه, أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه, ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق عليه السلام, فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتمست, ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم, فوجدوها مع يوسف, فقالت: والله إنه لي لسلم, أصنع فيه ما شئت, فأتاه يعقوب, فأخبرته الخبر, فقال لها: أنت وذلك, إن كان فعل ذلك فهو سلم لك, ما أستطيع غير ذلك, فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت, قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لّهُ مِن قَبْلُ} . وقوله: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} يعني الكلمة التي بعدها, وهي قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أي تذكرون, قال هذا في نفسه ولم يبده لهم, وهذا من باب الإضمار قبل الذكر, وهو كثير, كقول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزي سنمار