فهرس الكتاب

الصفحة 1325 من 2760

المكان والسكان, {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} أي في آلاء الله وحكمه ودلائله.

وقوله: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} أي أراض يجاور بعضها بعضًا, مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئًا, هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض, فهذه تربة حمراء, وهذه بيضاء, وهذه صفراء, وهذه سوداء, وهذه محجرة, وهذه سهلة, وهذه مرملة, وهذه سميكة, وهذه رقيقة, والكل متجاورات, فهذه بصفتها, وهذه بصفتها الأخرى, فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} يحتمل أن تكون عاطفة على جنات, فيكون {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ} مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفًا على أعناب, فيكون مجرورًا, ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة.

وقوله: {صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد, كالرمان والتين, وبعض النخيل ونحو ذلك, وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد, كسائر الأشجار, ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه, كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر:"أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه". وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه: الصنوان هي النخلات في أصل واحد, وغير الصنوان المتفرقات, وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد.

وقوله: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} قال الأعمش عن أبي صالح, عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} قال:"الدقل, والفارسي, والحلو, والحامض", رواه الترمذي وقال: حسن غريب, أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها, وطعومها وروائحها, وأوراقها وأزهارها, فهذا في غاية الحلاوة, وهذا في غاية الحموضة, وذا في غاية المرارة, وذا عفص, وهذا عذب, وهذا جمع هذا وهذا, ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى, وهذا أصفر, وهذا أحمر, وهذا أبيض, وهذا أسود, وهذا أزرق, وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء, مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا, وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء, وخلقها على ما يريد, ولهذا قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .

{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنّا تُرَابًا أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلََئِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغْلاَلُ فِيَ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلََئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ}

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ تَعْجَبْ} من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد, مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء, ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا, ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقًا جديدًا, وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به, فالعجب من قولهم {أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} , وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس, وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل, كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ثم نعت المكذبين بهذا فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} أي يسحبون بها في النار {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت