وغيرهم, وهو اختيار ابن جرير رحمه الله.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى, حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه, عن رجل, عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء, فأنزل الله {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} , وقد ورد فيه حديث غريب جدًا, فقال ابن جرير: حدثني محمد بن موسى الجرشي, حدثنا نوح بن قيس, حدثنا عمرو بن قيس, حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء, قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط, وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا, يعني لئلا يروها, وبعض يستأخرون, فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم, فأنزل الله {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} , وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره, ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما, وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني, وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما, وحكي عن ابن معين تضعيفه, وأخرجه مسلم وأهل السنن, وهذا الحديث فيه نكارة شديدة, وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك وهو النكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ} في الصفوف في الصلاة {الْمُسْتَأْخِرِينَ} فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط, ليس فيه لابن عباس ذكر, وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس, و الله أعلم, وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر, عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} وأنها في صفوف الصلاة, فقال محمد بن كعب: ليس هكذا {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ} الميت والمقتول {الْمُسْتَأْخِرِينَ} من يخلق بعد { وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ وَالْجَآنّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نّارِ السّمُومِ}
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس, والظاهر أنه كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مّنْ حَمَإٍ مّسْنُونٍ وَالْجَآنّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نّارِ} وعن مجاهد أيضًا: الصلصال المنتن, وتفسير الآية بالآية أولى. قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} أي الصلصال من حمأ, وهو الطين. والمسنون: الأملس, كما قال الشاعر:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضـ ... ـراء تمشي في مرمر مسنون
أي أملس صقيل, ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب, وعن ابن عباس ومجاهد أيضًا والضحاك: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون ههنا المصبوب. وقوله: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ} أي من قبل الإنسان {مِنْ نَارِ السَّمُومِ} قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل, وقال بعضهم: السموم بالليل والنهار, ومنهم من يقول: السموم بالليل والحرور بالنهار. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمر الأصم أعوده, فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من عبد الله بن مسعود, يقول هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان, ثم قرأ {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} وعن ابن عباس: أن الجان خلق من لهب النار, وفي رواية: من أحسن النار. وعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح"خلقت الملائكة من نور, وخلقت الجان من مارج من نار, وخلق"