فهرس الكتاب

الصفحة 1393 من 2760

{وَلَقَدْ كَذّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَمَآ أَغْنَىَ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}

أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم عليهم السلام, ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين, ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين, وذكر تعالى أنه أتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء, وكانت تسرح في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم, فلما عتوا وعقروها قال لهم {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} وقال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} وذكر تعالى أنهم {كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} أي من غير خوف ولا احتياج إليها بل أشرًا وبطرًا وعبثًا كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك, فقنع رأسه وأسرع دابته, وقال لأصحابه:"لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين, فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم". وقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} أي وقت الصباح من اليوم الرابع {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه, فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك.

{وَمَا خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَإِنّ السّاعَةَ لاَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصّفْحَ الْجَمِيلَ إِنّ رَبّكَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ}

يقول تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاّ بِالْحَقّ وَإِنّ السّاعَةَ لاَتِيَةٌ} أي بالعدل {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا} الآية, وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} وقال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به, كقوله: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال, وهو كما قالا, فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.

وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء, العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض, كقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لاَ تَمُدّنّ عَيْنَيْكَ إِلَىَ مَا مَتّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرنّ إلى الدنيا, وزينتها, وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه فلا تغبطهم بما هم فيه, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنًا عليهم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت