فهرس الكتاب

الصفحة 1475 من 2760

الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط, أفادت الحجة عند الناظر فيها. وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء, فلا شك أنها دار جزاء, ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار, كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} الآية,

وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة, وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا كلما أراد السجود خرّ لقفاه. وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها, أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه, ويتكرر ذلك مرارًا ويقول الله تعالى: يا ابن آدم ما أغدرك, ثم يأذن له في دخول الجنة, وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم, فليس هذا بمانع من صحة الحديث, فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط, وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف وأدق من الشعرة, ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب, ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوًا ومنهم المكدوش على وجهه في النار, وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم.

وأيضًا فقد أثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار, وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار, فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا, فهذا نظير ذاك, وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا, يقتل الرجل أباه وأخاه, وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم, وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل, وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور, والله أعلم.

(فصل) إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال:

(أحدها) : أنهم في الجنة. واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين, وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والمولود في الجنة"وهذا استدلال صحيح, ولكن أحاديث الامتحان أخص منه. فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة, ومن علم منه أنه لا يجيب, فأمره إلى الله تعالى يوم القيامة يكون في النار, كما دلت عليه أحاديث الامتحان, ونقله الأشعري عن أهل السنة, ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من جعلهم مستقلين فيها, ومنهم من جعلهم خدمًا لهم, كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف, والله أعلم.

(والقول الثاني) أنهم مع آبائهم في النار. واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة, حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب, حدثني عبد الله بن أبي قيس مولى غطيف أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار, فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هم تبع لآبائهم"فقلت: يارسول الله بلا أعمال ؟ فقال:"الله أعلم بما كانوا عاملين"وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني, سمعت عبد الله بن أبي قيس, سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين, قال:"هم مع آبائهم"قلت: فذراري المشركين ؟ قال:"هم مع آبائهم"فقلت بلا عمل ؟ قال:"الله أعلم بما كانوا عاملين"ورواه أحمد أيضًا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار".

وروى عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان, عن محمد بن عثمان عن زادان عن علي رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت