فهرس الكتاب
مواتيًا أو مقاربًا ما لم يتكلموا في الوالدان والقدر"قال ابن حبان: يعني أطفال المشركين, وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير بن حازم, ثم قال: وقد رواه جماعة عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفًا."
{وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}
اختلف القراء في قراءة قوله {أَمَرْنَا} فالمشهور قراءة التخفيف, واختلف المفسرون فيها معناها, فقيل: معناها أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًا, كقوله تعالى: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} فإن الله لا يأمر بالفحشاء, قالوا: معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش, فاستحقوا العذاب, وقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش, فاستحقوا العقوبة, رواه ابن جريج عن ابن عباس, وقاله سعيد بن جبير أيضًا. وقال ابن جرير: يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء, قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} , قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله: {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها, فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب, وهو قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} الآية, وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس.
وقال العوفي عن ابن عباس {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} يقول, أكثرنا عددهم, وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة. وعن مالك, عن الزهري {أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} أكثرنا, وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد, حيث قال: حدثنا روح بن عبادة, حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل, عن إياس بن زهير, عن سويد بن هبيرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"خير مال امرىء له مهرة مأمورة, أو سكة مأبورة"قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه الغريب:"المأمورة كثيرة النسل, والسكة الطريقة المصطفة من النخل, والمأبورة من التأبير"وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبًا كقوله:"مأزورات غير مأجورات".
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىَ بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا}
يقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم, بأنه قد أهلك من المكذبين للرسل من بعد نوح, ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام, ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذّبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق, فعقوبتكم أولى وأحرى. وقوله: {وَكَفَىَ بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا} أي هو عالم بجميع أعمالهم: خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية سبحانه وتعالى.
{مّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نّرِيدُ ثُمّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُورًا}
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل عليه, بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء, وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات, فإنه قال: {عَجّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نّرِيدُ ثُمّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنّمَ} أي في الدار الآخرة {يَصْلاهَا} أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه {مَذْمُومًا} أي في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه, إذ اختار الفاني على الباقي {مّدْحُورًا} مبعدًا مقصيًا ذليلًا مهانًا.
روى الإمام أحمد: حدثنا حسين, حدثنا رويد عن أبي إسحاق, عن زرعة عن عائشة رضي الله